رواية مواجهة الأسد للكاتبة رحمة سيد من الفصل الخامس والخمسون للفصل الستون

74 Views
رواية مواجهة الأسد للكاتبة رحمة سيد ايچبشيان جارديان
رواية مواجهة الأسد للكاتبة رحمة سيد ايچبشيان جارديان

 

رواية مواجهة الأسد

الفصل الخامس والخمسـون :

 

في لحظـة كان عمر يركـض بإتجـاه شهد يحتضنهـا كالدرع لحمياتها ويعطيهم ظهـره ويدفعهـا لداخـل السيـارة، حاول تفاديـهم قدر الإمكـان، ولكن أطالتـه السكين، شهقـت شهد وأطلقـت صرخـة مدويـة لتآوه عمر الذى تحامل علي نفسـه وابتعد مسرعًا ليلحق بهم ولكن أنطلقـوا سريعًا من امام المنـزل، خرج كل من بالمنـزل مسرعيـن، وهـرول خالهم بإتجـاه شهد التي كانت ترتجـف بخوف قائلاً بهـلـع :

_ مالك يا بنيتي حصلك حاچة ؟

بـدأت شهـد تبكـي بخـوف، ترتعـش اطرافهـا من حالة الصدمـة والهلع التي اصابتهـا، أقتـرب عمر منهـا يحتضنهـا بحنان، يخبـأها بأحضانـه التي كالقلعة لحمايتها، ليخيفها عن أنظـار ذاك العـدو اللدود ..

للحظـة كـاد يفقـدهـا هي وطفله الذى لم يـولد بعـد، كانت تستمـع لنبضـات قلبـه التي ارتعـدت للحظـات، هجـوم العـدو المفاجـئ جعله ينتفض ذعرًا علي ملكتـه ..

أخـذ يـربت علي شعـرها الذهبي الذى تمـردت خصلاتـه قليلاً علي وجهها الذى اصبح احمر بفعل الخوف، ثم همـس بجـوار اذنيهـا مطمئنـًا اياها بحنان :

_ اهدى يا شهدى، خلاص محصلش حاجة

وضعـت يـدها علي ظهـره وكأنها تحتمـي به، لتتسـع حدقـة عيناها وهي تشعر بملمس الدماء علي يدهـا، شهقـت وقد عاودها الخوف مرة اخرى وهي تقول بشفتيـن مرتجفتيـن :

_ انت اتصابت يا عمر، اتصابت

تـآوه عمر قليلاً من لمستهـا، ثم تحامل علي نفسـه مرة اخرى بصعوبة، فشعـوره النفسي بالألم خشيتـًا من فقدانهم اشـد من شعوره الجسـدى، ثم قـال بهدوء :

_ متخافيش ده سطحـي، ملحقنيش اوى

هنـا صـاح فيهم خالهم قائلاً بجدية :

_ حد يفهمنا جرى اية يا ولاد ؟

أبتعـد عمـر بهدوء عن شهـد، ثم زفـر بقوة محاولاً استعـادة هيئتـه، وعدم إستسلامه لشعوره بفقـدان الوعـي، ثم أجابـه بجديـة مماثلـة قائلاً :

_ ناس معرفهمش جم علينا فجأة وكانوا ف ايدهم سكينة، الله اعلم قصدينا ولا حركة غير مقصودة يا خال

علي الرغـم من أنه متأكد انها حركة مقصـودة لإصابـة شهد، إلا انه لا يستطيـع أن يخبرهـم بالحقيقة، فلو علم خالها لن يجعلهـم يرحلـوا من هنا ابـدًا، بينما استطـرد خالهم بصوت آمـر قائلاً :

_ طب أطـلع خد مرتك وشوف جرحـك يا ولدى، وانا هأبعت اجيبلك داكتـور

هـز عمر رأسـه نافيــًا ثم قال بإرهـاق بدى في الظهـور علي ملامحه ليشنـج عضلات وجهه :

_ لا مفيش داعي، انا هأطلع اطهر الجرح وهيبقي كويس يا خال متقلقش

بينمـا كانـت شهد ينتـفض جسـدها بقوة اثـر الخـوف، لم تشعر في حياتها بمثـل هذا الخـوف، كثـرة الخوف جعلها تشعر بالصقيـع من حولها، أصبحـت شفتـاها زرقـاء، ثم همسـت من بين شهقاتـها بصوت مبحـوح :

_ يلا يا عمر، اطـلع معايا نشوف الجرح

اومـأ عمـر موافقـــًا بهدوء، ثم سـار بجوار شهد مستنـدًا علي كتفيهـا، دلفـوا الي الداخل متجهيـن للغرفة، وصلـوا ثم دلفوا الي الغرفة واغلقـت شهد الباب، بينمـا هوى عمر علي الفـراش بألـم، جلست شهد بجواره ومسحـت دموعهـا التي طهـرت عيناها من نظرات اللوم للهـلع في لحظات، ثم أردفـت بوهـن قائلة :

_ أقلـع التيشـرت هأروح اجيب الاسعافات الأوليـة وجايـة

اومـأ عمر لتنهـض هي متجهـة للمرحـاض، ثم جلبـت الأسعافات الأوليـة بسرعة وبأصابـع مازالت ترتعش حتي الان، عـادت لتجـد عمر مغمض العينين وقد بـدى عليه التعـب، جهـلت في المعرفة، إن كان ألـم من كثـرة التفكير الذى تفـوق قدرته علي الإحتمال، ام انه الألم من الجـروح التي غطت ظهـره ..

أقتـربت منه تجلس خلفـه، تحـاول التماسـك بقدر ما تستطيـع لتخفف عنه شعوره بالعجـز في حمايتهـا، حاولت كتم شهقتـها التي صدرت منها رغمًا عنها عندما رأت الجـرح الكبير الذى اصاب ظهـره، فشلـت في التخيـل أنها هي المقصودة بهذه الطعنـة، إبتلـعت ريقهـا الذى جـف، ثم غمغمت بحـزن :

_ انا اسـفة اووى يا عمر

إلتفـت لها، ثم أبتسـم ابتسامة هادئة رغم الألم والحـزن الذى يكسـوه، وتابع بصوت هادئ قائلاً :

_ لية بتحبي الأسف يا شهدى، هو انتِ الي جرحتيني ولا اية

هـزت رأسـهـا نافيـة، ثم مطـت شفتاها وهي تقـول بشـجن :

_ لأ بس انا السبب، عشان انا الي كنت مقصودة مش انت

قسـت ملامـح وجهه وتشنجت، وبـدى شـاردًا، وراح يتذكـر حالة الهلـع التي اصابتها والتي تشعـره بالعجز وعدم القدرة علي حمايتهـا، أغمـض عينـاه يتنهـد بقوة، ثم استطـرد بصوته الأجش :

_ لأ يا حبيبتـي، مش انتِ السبب، لو كان حصلـك حاجة او للي فـ بطنك كنت هأموت كل يوم وانا حاسس إني ضعيف ماقدرتش احمى مراتى وابنى

هـزت رأسهـا نافيـة، ثم قــالت مسـرعة :

_ لا اوعي تقول كدة، لولاك الله اعلم كنت هابقي ازاى دلوقتـي

أولاهـا ظهـره مرة اخرى، كلماتـها لم تنجح في حل كل الألغاز التي تؤلمـه، لقد فككـت أسيـر واحـد .. أسير فقدانهـا المؤلم

*********

رواية مواجهة الأسد

إتسعـت مقـلتـاها بصدمة، ولكن صدمـة مفرحـة، ها هي اخـيرًا قد أبتسـم لها القـدر ولو لمـرة بصـدق، بـدأت الابتسامة السعيدة في التسلل لثغرهـا شيئًا فشيـئ، لم تصـدق أنهـا سمعـت بأذنيـها كلمات مفتـاح سعادتهـا، مضمـار قلبـه، وتأكيـد ملكيتـه لها هي فقط، لمعـت عينـاها بالدمـوع الفرحـة، ووضعت يدهـا علي فاهها وهي تقول بعدم تصديق :

_ بجد، بجد يا احمد ماتجوزتش ؟

اومـأ بتأكيـد، ثم أجابهـا مبتسمـًا بهدوء :

_ ايوة يا مها، كان مجرد اختبار انك فعلاً عايزانى جمبـك، ولا هاتفرطى فيا زى زمـان لسبب مجهـول

أختفـت الأبتسامـة من ساحـة وجهها، ليحـل محلها تبلـد وجهها والنظرات النادمـة المترجية للسماح، ثم همـت بقول شيـئًا ما، علها تستطـيع التخفيف من ذاك الشعور الذى اصبـح يزعجهـا وبشدة، إلا ان يـد أحمد الخشنـة التي وضعها علي طرف شفتيـها بحركة مباغتـة اسكتتهـا، ليكمل هو بصوت قــاتــم قائلاً :

_ متقوليش حاجة، الي حصل مش سهل يتنسي بكام كلمة، يمكن اكتر حاجة شجعتني انى ارجعلك هو ابني، مش عايزه يتربي بين ام واب مشتتين ومش مع بعض وهو ممكن يتربي وسط اهل بيحبوا بعض وعايزين بعض .

اومـأت موافقـة، وشعـرت كما انهـا هبطـت لأخر أرض، بفعل كلماتـه الموجعـة، لم تتخيل أن فعلت هذا به وبطفلها، وبنفسها اولاً، تلقلقت الدمـوع في عينـاها لتقول بخفـوت :

_ وحشنـي اووى اووى يا أحمد

جلس احمد علي الأريكـة بأريحية، ثم عـاد يتابـع مبتسمًا بأشتيـاق :

_ وانا وحشني اوى، بقالي سنين مشفتهوش، نفسي اشوفه اوى واملي عيني منه يا مهـا

جلسـت بجواره بسرعة، ثم أردفـت بحماس قائـلـة :

_ طب يلا نروح عشان نشوفـه

هـز رأسـه نافيـًا، ثم استطـرد بجدية :

_ لازم نحسبهـا كويس يا مها، ونشـوف هانقنع والدتك واختك ازاى، وخصوصًا إن والدتك الي عرفته مش سهل عليها، ومكانتش بتزورك ف السجن، يعني اكيد غضبانة جدًا جدًا جدًا

اومـأت برأسهـا بأسـف، فهي تعلم بمـدى خطـأها، ولكن ما لا تعلمـه أن والدتها لا تفكر بها كثيـرًا من الأساس، نظرت له بهدوء لتسألـه بحيـرة :

_ طيب هانعمل اية يا أحمد بقا ؟

لم ينظـر لها وظل كما هو ثم أردف بصوت قـاتـم قائلاً :

_ هانتجـوز يا مـهـا

*********

كـان يقـفً في أحـدى الحدائـق الخضـراء التي تعطي شكلاً مبهـرًا تحت اضـواء الشمس التي كادت تختفي، مزينـة بشكل رائع يظهر انعكاسها علي اوراقهـا الخضراء، يـدب علي الأرض بقدمـه بقـوة، يظهـر التوتر والقلق جليـًا علي ملامح وجهه البـاردة، ويضـع يداه مستندًا علي السـور الخشبي الكبير الذى يحيـط تلك الحديقـة من جميـع الجوانـب، كطـالب في مدرسـة الحيـاة ينتظـر معرفـة نجاحـه ام رسوبـه في ذلك الاختبـار الذى يجهل كيفية النجـاح فيه، أتـي من خلفـه نفس الرجـل، وقد دلـت ملامحه علي نتائـج غير مبشـرة بالمـرة، ليتنحنح قائلاً بهدوء :

_ يا بـاشــا

إستـدار لينظـر له بهدوء يعكس ما بداخلـه، ولكن هيبتـه وهيئتـه المعتادة لا تسمح له بإظهـار ذاك الأرتبـاك، ثم قال بجدية :

_ ها عملتوا اية يا غريب ؟

بـادلـه الشعور بالتوتـر والأرتبـاك من فشله فشل ذريـع في تلك المهمـة، ثم تهته بخـوف بدى بوضـوح :

_ آآ بصـ بصراحة يعني يا باشا، حصلت حاجة ماكنتش متوقعـة

نظـر له بطـرف عينيه ثم سأله بتوجس :

_ حصل اية يا غريب انطق ؟

نطـق بصعوبـة ليقـول بتوتـر :

_ بصراحة يا باشا الضربـة مجتش في بطن البت زى ما كنت عاوز، لكن جت في ضهر الواد

إحتقـن وجهه وأقتـرب منه بهدوء حذر، ثم زمجـر فيه غاضبـًا :

_ ازاى يا اغبيـة ازاى، انا قولتلكوا البت

سـارع غريب في الـرد مبررًا بجديـة :

_ ماهو الي جرى فجأة وغطاها خالص بضهره وكأنه كان عارف اننا جايين

جـز علي أسنانه بغيـظ، بعمره كله لم يشعـر بالهزيمـة كمثل هزيمتـه في القضـاء عليه هكذا، تمتم بحقـد قائلاً :

_ انا عارف ان عمر مش سهل، مكنش لازم ابعت شوية اغبية زيكـوا

ثم أشــار له أن يذهـب، ليدير ظهره مرة اخرى ولم يمـل في التخطيط لذاك الذى يدعي ” عمـر ” ، ثم همس بصوت أشبه لفحيح الأفعي :

_ يا انا يا انت في الدنيا دى يا عمر، مش هيخليني ابطل افكر ف تدميـرك غير موتـك او موتـي انا !!

********

رواية مواجهة الأسد

تصـاعد الـدم لدى عبدالـرحمن، وأحمـر وجهه من الغضب الذى طـارده لتـوه، شعـر بداخله يغلـي من الحنق والغضب، لقد رأى بحياتـه الكثيـر والكثـير من الأنـاس السيئـون، ولكن لم يرى بحياتـه شخص يرغب المـوت هكذا !!

كـور قبضـة يده ليتمالك نفسـه قليلاً، ثم صـاح فيه بحـدة :

_ خير جاى هنا لييية ؟؟

عـض شهـاب شفتـاه السفليـة بحسـرة ثم تنحنح قائلاً بحـرج :

_ متقلقش انا مش جاى عشان مشاكل

نظـر له عبدالرحمن بتوجـس، ولفـت نظره قميصـه الذى امتلئ بدماء ذاك الرجـل، ظل يحملق به بحيـرة، شيئــًا ما يخبره أن يهدأ نفسه قليلاً وينتظر وشيئــًا اخر يحمسه علي الأنقـضاض عليه، ليهتف عبدالرحمن بغيظ دفيـن :

_ امال حضرتـك جاى لية دلوقتي ؟

رفـع يده السمراء التي اصبحت حمراء مؤخرًا يمسح وجهه ببطئ، ثم أجابـه بصوت مختنق :

_ انا عايز اشوف رضوى واقولكم كلمتين

رفـع عبدالرحمن حاجبه الأيسـر بغيظ، ومن ثم أشـار لملابسـه قائلاً بتهكم :

_ يا حبيبي، والمفروض اقولك اتفضل خش اقعد وانا هأروح اعملكم الشاى تشربوه ولا اية !؟

هـز رأسه نافيـًا بسرعة، ثم تابع بأصرار غريـب :

_ ارجوك، هأقولكم حاجة وامشي، كدة كدة عمرى ما هقدر اقعد ابدًا

تقـدمت ” نبيلة ” بجوارهم، وخلفهـا رضوى بخطوات مترقبـة، وتهللت أساريرها بقـدوم شهـاب، والذى كانت تعتقـده سيكون لصالحها، فقـالت مسرعة بترحـاب وحب مزيـف :

_ اهلاً اتفضل يا شهـاب يا حبيبي

نظـر شهـاب لعبدالرحمن بتساؤل، وكأنه يستأذنـه بنظراتـه، فأومأ عبدالرحمن قائلاً بحنق :

_ قول الي انت عايزه هنا ياريت

نظـر شهاب لرضوى بهدوء، ثم تنهـد تنهيدة حارة تحمل بطياتها الكثيـر، ثم هتف بأسف :

_ رضوى ممكن تسامحيني وتعذريني علي اى حاجة عملتها او كنت عايز اعملها فيكي، انا معرفش اية الي خلاني اعمل كدة، بس الي عرفته أن كما تدين تدان، وربنا ما بيسيبش حق حد مظلوم

رمقـته رضوة بنظرات متساءلة، ودت لو تسأله بفضـول عن كل ما يقصده، ولكن تواجد عبدالرحمن يمنعها من التفـوه بأى شيئ الان، بينما تابع شهاب بحـزن بدأ في الظهور تدريجيـًا علي محياه :

_ ربنا رد لي الي كنت عايز اعمله فيكي فـ اختي الوحيـدة، وخطيبها اعتدى عليها، وقتلتـه

شهـقـت رضوى بصدمـة وهي تحدق به، بينما كان عبدالرحمن عاقدًا ذراعيـه ينظر له بجمود ولم يبـدى رد فعـل، فنظر شهاب لـ ” نبيـلة ” قائلاً بنبـرة تحمل كل معاني الندم :

_ انا أسف، انا الي عملت الصور وبعتها لحضرتك عشان ماتتميش جوازهم

مطـت شفتيها بعـدم رضـا ثم قالت بأمتعاض وحزن مصطنع :

_ يوه، وانت جاى تقولي الوقتي !؟

هـز رأسه نافيـًا ثم أستـدار ليغادر علي عقبيـه، ويشعر بمدى ثقل ما فعله علي اكتافـه، ثم غمغم بخفـوت قائلاً :

_ انا عملت الي يريح ضميرى شوية واتمني تسامحونى كلكم

رحـل من أمامهم بهدوء بعدما جعلهم يتقينـوا بالعدالة الالهـية، تنهدت رضوى بأرتيـاح كالمتهم الذى استرد حقه الان وحصل علي البـراءة، بينما تنحنح عبدالرحمن قائلاً بصوت حازم :

_ بصي بقا يا حماتي انا مش هستني تاني، احنا هانكتب الكتاب بكرة

*********

رواية مواجهة الأسد

كـان عمـر يقف في منتصف الغرفة يرتـدى القميص الأسود الخاص به بهـدوء، لم يختفـي الألم من وجهه، ولم يأخذ القسطًا الكافيـًا من الراحـة، ولكنه يُصـر علي فعل ما يريـده وكأنه هو فقط العلاج الوحيـد ليخفف الآمـه النفسية، بـدت عينـاه السوداء غامضـة، حالكـة، متعمقة، يصعب علي اى خبير في لغة العيـون فهم ما يدور بهم، زمـت شهد شفتيـها بعدم رضا، وهي تجلس علي الفـراش بهدوء، ثم هتفت متساءلة بفضول :

_ طب قولي اية الي يخليك تقوم كدة وانت ضهرك لسة ماخفش

لم ينظـر لها واجابـها بصوت قاتـم قائلاً :

_ لازم اقولهم حاجة وجاى تاني

نهضـت مقتربـة منه بهدوء، ثم وضعت يدها علي كتفـه وهمست بوهـن :

_ انت لية مُصر تخبي عني يا عمر

نظر لها بهـدوء، ثم ثبـت ناظريـه علي عينـاها البنيـة يرى فيهم إنعكـاس صورتـه، يستمـد منهم القوة ليكمل، ثم إلتقط وجهها بين كفيـه العريضين ليكمل بهدوء حذر :

_ صدقيني يا شهدى انا مش عايز اتعبك ف حاجات لو عرفتيها مش هتنامي من التفكير زي

ثم ابتسـم ابتسامة عاشقـة، ليطيب ويهدأ ما يمكن تهدأتـه من ثورة قطتـه الهادئـة، ثم استدار وغادر متجهًا للأعلي، تاركــًا اياها تفكر في كيفية فك تلك الألغـاز، بينمـا وصل عمر للأسفل وصار ينادى علي نادى بعلو صوتـه، حتي اجتمـع كل من بالمنزل علي صوته العالي، وبما فيهم نادى، نظر له نظرة لم يفهمها ثم قـال بحدة :

_ آن الآوان نفهم كلنا كل حاجة يا نادى بيه بقاا

 

للكاتبة رحمة سيد

***********

 

 

رواية مواجهة الأسد

الفصل السـادس والخمسـون :

 

جحـظ نـادى بصـدمة جـلية علي ملامحـه، وبـدت ملامحـه شـاردة .. واهنـة، كمن سقـط عليه دلـو من الثــلج، كان عمر ينظـر له بغضـب، لم يعـرف سـر غضبه الغيـر متناهـي، ولكن ما هو متأكد منه انه وان كانـت بينهم مجرد علاقة غراميـة ويريدها زوجتـه حقـــًا، فهو لن يسمح لهم أن يستخدموه كـ احدى الكبارى ليصلوا لبعضهـم، بينما أخذ خالهم يتفحصهم بعينـاه قبل أن يسأل عمر بحـدة :

_ في اية يا عمر، نفهم اية !؟

نقـل ناظريـه لنـادى، الذى كان وكأنه يقـف امام احدى اختبارات الكذب، يخشي الإجابـة بشيئ خاطئ يفسـد ويعكر صفـو كل ما مهـد له في أخر ايـام، ثم هتف بسخريـة واضحـة :

_ هتقول لأبوك انت ولا اقوله انا يا نادى

ظـل نـادى يفـرك أصابعـه بتوتر، يخشي وبشدة معرفة والده، تمالك نفسه بصعوبة ثم نظر لعمر بثبـات مزيـف وهو يقول بجديـة مصطنـعه :

_ تجول اية يا عمر، مفيش حاجة تتجـال ابوى ميعرفهاش اصلاً

جـز عمر علي أسنـانه كاملة بغيظ لدرجة كادت تنكـسر، ثم أردف بنبـرة أشبه لفحيح الأفعـي قائلاً :

_ يعني ابـوك عارف بقا يا نادى

تـأفف خالهم بضـيق بدأ في الظهـور عليه، كأشـارة لعداد الصبـر لديه، ثم صاح فيهم بنفـاذ صبـر :

_ يووه، ماتفهموني اية الي بيجرى بجا

مسـح عمر علي شعـره ببطئ، كمحاولة لتـهدأة نفسـه والتصـرف بحكمـة، ثم تـابع بجديـة موجهًا نظره لخالهم :

_ انت عارف يا خال، ان ابنك بيكلم اختـي مريـم في الموبايل والله اعلم بيستعبطونى من امتي !!

تجـمد والده مكانـه، لا يشيـح ببصره عن ” نـادى ” الذى كان يغلق عينـاه، تفجـرت القنبلـة وحدث ما كان يخشـاه، لن ينقـذه الان من هذا الإعصـار الذى سيهب عليه يدمـره حتمـًا اى شيئ، إبتـلع ريقـه بصعوبـة، بينما هـز عمر رأسه وهو يقـول متهكمًا :

_ تؤ تؤ شكل ابوك مكنش يعرف إن ابنه واطي ميعرفش الاصـول

هنـا صـدح صوت والـده العالي، وهو يشير بيـده لعمر أن ينتظـر ثم قال متساءلاً لنـادى بحـدة بالغــة :

_ الكلام ده صح يا نادى ؟

تلعثـم نـادى وهو يومـأ برأسه مؤيـدًا، وسرعـان ما راح يبـرر بتوتر :

_ بس والله يابوى ما تكلمنا الا كام مرة عشان نعرفوا كيف هنجنعك انت وعمر

اتـاهم صوت محسن متساءلاً بحيرة :

_ بس كيف عرفت عمر من جبل ما تعرف انه جوز شهد ؟

نظـر له بهـدوء ومن ثم أردف بجدية :

_ لما روحت القـاهرة مرة، شوفتها هناك، وهي شافتني والكلام جاب بعضه و.. وآآ كنت عايز اتجدملها، بس جالت ان اخوها رجعت تعيش معاه، ومش سهل تجنعه بسرعة كدة

تقـوس فم عمر بأبتسـامة ساخـرة، ثم قاطعـه متهكمًا :

_ قوم انت تكلمها من ورايا اسهل من اقناعي يعني !!

هـز رأسـه نافيـًا بسـرعة وهو يقول مبررًا :

_ لا صدقني الاول مكنتش اعرف انها اختك غير من كام يوم

فيما قـال والـده بأسـف واضح :

_ يا خسارة تربيتي فيك، هي دى الاصول، تكلم البنيـة من ورة خيهـا إكدة

أطـرق رأسـه بخـزى، لم يطرقهـا بحياتـه يومـًا، ولكن الان هو مجبـر، وإلا سيتلقي تلك الموجـه العنيفـة التي يخشي قدومها،

نظـر له عمر بأشمئـزاز بـدى في عينـيه السـوداء، بينمـا أستطـرد خالهم جادًا :

_ أنـي بعتذرلك يا ولدى نيابـة عن نادى، وبأطلب يد خيتـك منك اليوم جبل بكرة

أغمـض عمر عينـاه متنهـدًا تنهيـدة طويـلة حـارة ثم قـال مفكـرًا :

_ معلش يا خال سيبني أفكر، محتاج اقعد مع نفسي شويـة

اومـأ الاخـر، ثم نظـر للجميـع قائلاً بصوت آمـر :

_ كل واحد يشوف حاله خلاص

ثم عـاد ينظر لعمر مرة اخـرى، وقد إرتسـمت البشاشـة علي وجهه المجعـد، وأردف بهدوء حذر :

_ وانت يا ولدى خد راحتـك ف التفكير وانا مستني ردك

بينمـا كان نادى يقف مدهوشـًا، متسـع الحدقتـان، يحملق بهم بصدمة، لم يتخيـل أن الأمـر بهذه البساطـة، أم انه فتـاة يخشي والده أن يفضـح أمـره، ولكن ما أيقنـه ان والده فعل ذلك من اجله رغم غضب اللانهائـي منه ..

*******

لا يعـرف ما الذى جعلـه يتهـور وينطـق بهـذه الجملـة، وكأنـه مواطـن يطالب العـودة وبقـوة لأرضـه التي احتلهـا المحـتل لفتـرة أفقدتـه دفئ وحب هذه الأرض، كم شعر أنه مراهـق في هذه اللحظـات، لم يكن بحياتـه يومـًا متهـور كالآن، يطالب بسرعة كتب الكتـاب دون الرجـوع لأى شخص، ولكن من المؤكـد أن من يتحكم به هو قلبـن وليس عقلـه، وما اصعب ذاك التحكم الذى يجعلك تفعل بعض الاشيـاء كأنها ليسـت رغبتـك، نظـرت كلاً من رضوى ووالدتهـا لعبدالرحمن بصدمة جليـة علي ملامحهم، بينما عبدالرحمن يقف هادئـــًا منتظرًا الـرد علي هذا التهـور، حتي قطعت ” نبيلـة ” هذا الصمت الذى دوى للحظات متساءلة بصدمة :

_ انت واعى للي انت بتقوله ؟

اومـأ عبدالرحمن مؤكدًا بأبتسامة هادئـة، ثم أجابـها ببلاهـة :

_ ايوة طبعًا واعي ولية لأ

هـزت رأسهـا نافيـة بسرعة، ثم ضـربت كف بكف وهي تقول بحسرة مصطنعة :

_ لا لا ياعيني خلاص الواد اتجنن، بقي في حد بيطلب يكتب الكتاب بكرة، وكأنك هاتكتب ورقتيـن عرفي، وحتي انت ماقولتش لأهلك

إرتسـمـت الجديـة علي ملامحه في ثوانٍ ببراعـة، ثم أردف مهدئـــًا :

_ استني بس يا حماتـي، اهلي مش هيقولوا اى حاجة، وبالنسبة لكتب الكتاب احنا هانعمل حاجة صغيرة كدة، والفـرح بعد شهـر مثلاً

شهـقـت بصدمـة اخـرى، ووضـعت يدها علي فاهها بحركة مباغتـة، لا تعرف من اين اتـي له هذا الأصرار الذى رأتـه في عينيه للتـو، اما كان يكفيها معرفة رضوى بكل شيئ، تنحنحت قائـلة بتفكير مصطنع :

_ طب سيبني افكر شوية

هـز رأسـه نافيـًا ثم عاد يقول بأقنـاع :

_ تفكرى ف اية بس يا حماتي، مش محتاجة تفكير، احنا هانكتب الكتاب بس

وضعـت إصبعهـا علي فكهـا كحركة تعبر بها عن التفكيـر العميـق، ثم تابعت بأمتعاض :

_ اممم، طب قول لأهلك يا عبدالرحمن والي فيه الخير يقدمـه ربنا

سألها بلهفة غير مصدق :

_ يعني انت موافقة صح موافقة ؟

اومـأت موافقـة، وملامح وجهها تقل شيئً غير هذا تمامًا، لم تشعر انها مجبـرة مثل هذا اليوم الذى لن تنسـاه ابدًا ..

اما عنه فظهـرت الإبتسامـة السعيـدة علي وجهه بسرعـة، حتي ظهـرت أسنانـه البيضـاء، لتزيـن ثغـره الأسمـر، وجهه نظراتـه لرضوى التي كانت تقف وقد تبلد جسدها اثـر الصدمة، وكأنها تشاهد احد الأفلام التي اثارت دهشتها للغايـة، من يراها وهي تقف تشاهدهم فقط لا يقل أنها العروس، بل شخصـًا مار مندهـش من لهفة الحبيبين للأجتمـاع سويــًا ..

هتفت أخيـرًا بهمس مصدوم :

_ هو مين ده الي كتب كتابه بكرة !

رفـع عبدالرحمن كتفيـه ببساطـة، ثم أجابهـا ببـراءة :

_ احنا طبعا، هايكون مين يعني لو مامتك متجوزة ومخلفة بنوته زيك كدة

ضحكـت بسخريـة مريـرة، ثم راحـت تتخيـل الفكرة في رأسها لدقيقتـان، في الغد ستتـوج امام الجميـع ملكة لعرش قلبه، الخبـر الصادم وكأنه اوقف عقلها عن التفكيـر، كادت تتفـوه بشيئً اخـر، حتي قاطعهـا عبدالرحمن مشيـرًا بيده بمعني كفـي، ثم استطـرد بعـزم :

_ استأذنكوا انا بقا هأروح اقول لأهلي واجهز نفسي عشان بكرة، وانتم اعزموا الاقـارب في الاقارب بس

غمـز لرضوى بطرف عينـاه ليذكرها بما اتفقـوا عليه لتبتسم هي بخجل ثم استدار وغادر علي عقبيـه في لحظات تاركًا نبيلة تلعـن ذاك اليوم الذى اجبرت رضوى علي الزواج فيـه، وتلعن ذاك الذى يدعي عبدالرحمن الذى كان كالحشـرة الصغيرة التي دخلت بين بناءها الذى بنتـه منذ سنوات ليدمـره في وقت قياسي، بينما استطـاعت اخيـرًا رضوى الخـروج من صدمتهـا بصعوبة، لتقول بجدية :

_ بصي بقا يا طنط نبيلة، انا مش واطية للدرجة عشان اقولك ده ورثي وبيتي والشغل ده

هـز رأسـها نافيـة ثم اكملت بسخرية :

_ انا مش هاتكلم ف الموضوع ده تاني بما انك امي التانية يعني

وعادت للجديـة وبعض الحدة مرة اخرى قائلـة :

_ بس مش هاسمح لحد يهني ويذلني كل شوية زى الاول

رفـعت نبيلة حاجبـها الأيسـر بغيظ، ثم اردفـت بنبـرة متهكمـة :

_ لا كتر خيـرك بصراحة يعني

مطـت شفتيـها بسخرية ثم نظـرت لها بطرف عينيها، تشفـي غليل كل الذى فعلته بها سابقًا، ترمم الحصـون بداخلها وتستعيـد قوتهـا، ومن اجل شيئ واحد .. المواجهة .

**********

رواية مواجهة الأسد

للحظـات شعـرت أنها تتخيـل، او ربمـا من كثـرة فرحتهـا تهيـأت انه يطلب منها الزواج وبسرعـة، كانت تنظـر له ببلاهة، كالطفل الصغيـر الذى إندهـش من احدى الهدايا الثمينـة التي جلبها له والـده، وكان احمد يتمعـن النظـر لها ليستشف رد فعلهـا، والذى كان متأكـد منه بشتي الطرق، نطقـت اخيـرًا لتقطـع الصمت قائلة بخفـوت :

_ نتجـوز، من غير ما يعرفوا يا احمد !

اومـأ احمد مؤكدًا بهـدوء، ثم قال بجدية مقنعـة :

_ ايوة يا مها نتجوز، انتِ متأكدة ان رد فعل والدتك مش هايعجبك بس بتكابرى

شـردت قليلاً في اخر صورة لوالدتها لها، ثم تنهـدت بقـوة، وكانت هذه اجابتهـا التي حثتـه علي الكلام اكثر، ليكمل بهدوء :

_ مها احنا كدة كدة لازم نرجـع لبعض عشان ابننا قبل اى حاجة، بس الفرق الي هايحصل ان هيبقي عادى تبقي قاعدة في بيتي لحد ما والدتك تسامحك، وحتي لو رفضت رجوعك يبقي ليكي ملجـأ

أغمضـت عينـيها بقوة لتغطـي تلك الصورة التي ظهـرت في مخيلتها لكل ما مـر سابقـًا في حياتها مع والدتهـا، ثم همست بحيرة :

_ بس موقفي هيبقي اصعب كدة يا احمد، لما تعرف اني اتجوزت من غير ما ارجع لها

هـز رأسـه نافيـًا، ثم اجابهـا مسرعًا :

_ لا خالص، احنا هانقنعها، لكن تقدرى تقوليلي لو طردتك مثلاً هتعملي اية

عـادت بظهـرها للخـلف بتنهيـدة قوية، كل مرة تشعر ان الحمل يزداد عليهـا، كانت تجهل أنها تحصـد الان ما جنتـه سابقًا، اومـأت بشـرود وهي تتشدق بــ :

_ ماشي يا احمد، خليني وراك عشان انا واثقة فيك جدًا يعني

اومـأ بأبتسامة هادئـة زينـت ثغـره، ثم إلتقط كفيها بين كفيـه، واستطـرد بثقـة :

_ واوعدك انك مش هاتندمى ابدًا يا ام سيف

ابتسمـت مها ابتسامة حزينـة لذكر ذاك الجـزء الذى تفتقـده بداخله، تشعر ان بنـاء حياتها ينقصَه جزء واهم جزء، ابعدت يدهـا برفق وقد شعرت بالحرج قليلاً وكأنه شخص لأول وهلة تتعامل معه، ليبتسم احمد ليدارى حرجـه، ثم قال حازمـًا :

_ طب يلا قومـي نروح للمأذون الوقتي

إندهـشت قليلاً، ولكن تداركت نفسها سريعـًا، وكأنها اعتادت منه علي المفاجأت، لتقـول متساءلة بجدية :

_ نروح دلوقت يا احمد ازاى !

رفـع اكتافـه بهدوء ثم قال ببساطة :

_ عادى زى اى اتنين بيتجوزوا

ابتسـمت بهدوء ولأول مرة تشعر انها سعيدة بهذا الاجبار الذى فرضه عليها، نهض ثم امسك بيدها متجهًا للخارج دون كلمة اخرى وكأنها استنفـذت كل محاولات الصبر لديـه، واغلق الباب خلفهم، ثم ركبـوا السيارة الخاصة به متجهيـن للمأذون، للمفتـاح الخاص بجنتهم فقط !!

*********

رواية مواجهة الأسد

كـان عمر ممدد علي الفـراش الوتير الناعم الخاص بهم، يستـريـح علي بطنـه، جسـده ممدد بجوار شهد ولكن عقله منشغل بالتفكير، ويضع يداه اسفل ذقنـه وينظر امامه ليطالع الخشب البنـي، من يراه يعتقـد انه يتأمل ذاك الخشب، وشهد تجلس بجواره تعض شفتهـا السفلية بضيق وغيظ مكبـوت، فضولها يقتلها، كالآفـات التي تنتشـر في النباتـات تكاد تبيدهـا، تنظر له كل دقيقة منتظرة منه ان يلتفت ويخبرها بكل ما يشغل تفكيـره ويسيطر عليه هكذا، هتفت بنفاذ صبر وهي تهـزه :

_ يووه يا عمر مش ناوى تقولي بقا

نظر لها بطرف عينـه وسألها بعدم فهم مصطنـع :

_ اقولك اية يا شهدى ؟

جـزت علي اسنانها بغيظ لتيقنـها انه يفهم مقصدها جيدًا، ولكنه يلعب علي اوتارها الحساسـه بمـزاج رائق علي الرغم من شعور الضيق الشديد الذى يجتاحه، عادت تسأله مرة اخرى بغيظ :

_ مش ناوى تقولي ع الي شاغل عقلك، والي مخلتنيش انزل اسمعه تحت

إلتفت لها عمـر اخيرًا بكامل جسـده، لتشهق من هيئتـه العريضة والتفاتته فجأة، ثم قال بهـدوء غامض :

_ انا قلقـان يا شهدى

قطبـت جبينها بعدم فهم، ثم سألته بفضول :

_ قلقان من اية يا عمر ؟

اجابها بصوت قاتم فور سؤالها :

_ بصراحة مش حاسس ان الي بينهم مجرد علاقة غرامية، عشان كدة قصدت اقول ادام الكل عشان اشوف رد فعله

لوهلـة لم تفهم ما يقولـه، وكأنه يضع امامها الكثير من العقبـات عن عمد حتي لا تصل لما هو فيه الان، سمع صوت انفاسهـا فقط، ليكمل بتوضيـح :

_ حاسس إن مش بعيد نادى يكون مع فارس وحاتم

شهقت شهد بصدمة، ووضعت يدها علي فاهها لتمنع صدور الصوت العالي، فـك الالغاز امامها جعلها تُصعق من الحقيقة، لم تتخيل يومًا ما يقولـه، ولكنها اعتادت مؤخرًا علي كثرة الصدمـات، استطاعت فك عقدة لسانها وهي تهمس بدهشة :

_ ازاى يا عمر، ازاى مستحيييل

رفـع اكتافـه بلامبالاة مصطنعـة، استطاع بمهارة رسم البرود بالرغم من الفتيـل الذى اشتعل بداخله، لسمعه اخته اولاً ثم خداعـه، فتابع ببـرود ظاهرى :

_ معرفش بقا ازاى، بس الي اعرفه انهم مايقدروش يعملوا لي حاجة اصلاً

تنهـدت بقـوة ثم راحت تستفسر بحيرة :

_ هاتعمل اية يعني يا عمر

نهض فجـأة ليجذبها له جعلها تتسطح علي الفـراش وهي تشهق من حركته الفجائيـة، ثم نظـر لعينـاها البنيـة التي تذيب جليده في دقائق معدودة، عيناها التي تعد كالمقر يستمد منها قوتـه، لفحت انفاسه بشرتها البيضـاء، سمع بدقة صوت انفاسها المضطربـة، اقترب اكثر حتي سند جبينـه علي جبينها، ثم اردف بخبث قائلاً :

_ تعالي اشرحلك هاعمل اية بالتفصيل الممل يا حبيبتي

توردت وجنتاها كالـوردة الحمراء من الخجـل، وارغمتها عينـاها المشتاقة علي النظر لعينـاه السوداء العميقة التي تجذبها كل مرة اكثر من قبل لتكتشف فيها اكثر، وكأنها العالمـة في بحر عينـيه العميقتين، إلتفهم شفتـاها ينـل منهم الشهـد، وعبثت يداه لا اراديـًا بقيمصها الوردى، ليثبت لها في عالمهم مدى عشقه الذى يزداد مع كل ثانية تزداد من عمرهـم

**********

كـان الغيـظ والغضـب يتطايـر من عينـاه الحقـودة كالهواء من حولـه، وكأنه اصبح جزء اساسي من حياته لا يستطيع التعايش من دونـه، يقف بهيئتـه المعتادة، وملابسـه الرزيـنة وأنفـه المرفوعـة، وسيجارة الفاخرة بين اصابعه السمراء، يدخن بشراهـة وهو يحملق بالرجل مفتول العضلات الذى يقف امامه يمسك بأحدى الأسلحة، علي ما يبـدو من هيئتـه انه ” قنـاص ” ، لا يكل ولا يمل من محاولات قتل عمر، وكأنه كلما استنفذ الفرص انتظر مرة اخرى حتي يحصل علي فرص اخرى، حقده الغير متناهي علي عمر يزداد اكثر،

هتف بنبرة تشبه فحيح الافعي :

_ عايزك تنفذ في اقرب وقت وانا كتبتلك العنوان في ورقة هتاخدها وانت طالع

اومـأ الرجـل بهدوء، ثم قال بخبث :

_ بس يعني دى هتبقي جريمة قتل يا باشا

نظـر له بحـدة، ثم ابعد السيجارة عن فمه ونفخ في وجهه وهو يقول بضيق :

_ ما انت هتاخد الفلوس الي هتعوضك، ده لو اتمسكت يعني

نظـر له بغموض ثم سأله بفضـول يقتله :

_ بس لية يعني عايزها ف القلب، يعني عايز تموتـه لية يا باشا

اشـار بيـده في وجهه محذرًا، ثم اردف بوعيـد وشراسـة :

_ ملكش دعوة، انت اخرس واعمي واطرش، بتنفذ الي اقول عليه بس

اومـأ الاخر بهدوء ثم مط شفتيه بعدم رضا، ثم قال بأمتعاض :

_ حاضر يا باشا حاضر بس اهدى انت كدة

عـاد يدخـن وهو ينظر امامه، ثم نظر له مرة اخرى بطرف عينـه وهو يستطرد بسخرية :

_ ولا مش هتعرف انت كمان وهضيع وقت وفرص علي الفاضي

هـز رأسـه نافيـًا، ثم رفع رأسه بغرور وهو يجيبـه بثقة زائـدة :

_ عيب عليك الي بتقوله ده يا فارس بيه

 

للكاتبة رحمة سيد

 

**********

 

 

رواية مواجهة الأسد

الفصـل السابـع والخمسـون :

 

كـانـت مسطحـة علي الفراش بجـواره، تضع رأسهـا علي صـدره تستمع لدقـات قلبه العاليـة كالطبول التي تعلـن بــدأ الحـرب، تكبـل خصره بيدها وكأنها تتأكد انه لن يهـرب من بين يديهـا، ويضـع هو ذقنه علي اعلي رأسها، يستنشق من عبير شعرها الذهبـي بإستمتـاع، ومازال عقله منشغل بالتفكيـر، كأنه قد عاهد نفسه أن لا يتـركه من دون أن يشغلـه بتلك الأفكـار، تنـهد عمر تنهيـدة حارة طويلة وعميقة، قبل أن يهمـس بحـروف تعشق مخارجـها منه :

_ شــهــدى

رفعـت رأسها قليلاً لتقابل عينـاه السـوداء، تلك الغابـة خاصتها الغامضـة، ثم أجابتـه بهمهمة :

_ امممم، اية يا حبيبي

ظـل يتمعق النظر لتلك العينـان التي يعشقها، ثم قال متساءلاً بتوجـس :

_ هو انتِ ممكن تبعدى عني ف يوم ؟

إتسعـت حدقتـا عينـاها بصدمة، وصمتت لثوانٍ تستوعب سبب قوله المفاجئ، واخيـرًا إستطاعت الـرد بدهشة قائلة :

_ لا طبعا يا عمر، لية بتقول كدة فجأة

هـز رأسـه نافيًا وإرتسـم علي ثغـره ابتسامة مزيفـة، ثم تـابـع بخفـوت :

_ لأ مفيش حبيت اسألـك

ظلت تنظـر له لثوانٍ اخرى دون ظهور اى رد فعل، ثم قابلته بنفس السؤال قائلة :

_ انت الي مش هاتبعد عني صح ؟

هـز رأسـه نافيـًا ثم قـال مسـرعًا :

_ مستحيل يبعدني عنك غير حاجة واحدة

إبتلعت ريقهـا بإزدراء وهي تسأله بخوف :

_ حاجة اية دى يا عمر ؟

أحتضنهـا بقـوة متشبثـــًا بها، وكأنه يثبت لها بالفعل ايضًا، ووضـع وجههـا بجوار رقبتهـا، يأخذ الأكسجيـن من عبيرهـا، ثم غمغم بصوت قــاتــم :

_ المـــوت بس

صـدرت منها شهقــة مكتومـة بصدمة، وبحركة مباغتـه وضعت يدهـا علي فاهه تمنعـه من إكمال جملته وهي تقول بحزن :

_ بعيد الشر، انا مش متخيلة الحياة من غيرك يا عمر، انت حبيبي وصاحبي واخويا وجوزى وابو ابني

شعـرت بالإبتسـامـة تتسلل لثغره تحت يـدها، لتبعـد يدها برفق وقد تلقلقت الدمـوع في عينـيها البنيـة، لتعطيها ملمـع المـاسة الجديـدة الغاليـة، ولمـا لا !

فهي ماستـه هو.. خاصته هو، أستطـرد بأبتسامة هادئـة :

_ محدش يقدر يقف في وش القدر يا شهدى

قطبـت جبـينهـا بضيق، ليعطيها مظهر طفولي جذاب، وكأنـه جعلها تفقـد سيطرتهـا وتحكمها في نفسهـا بجملته الغامضة، لتكمل ببعض الحدة قائلة :

_ عمر، انت لية النهاردة بتتكلم بالطريقة دى، بتضايقنـي علي فكرة

مسـح علي خصلاتـها التي تناثـرت علي جبينها اثـر إنفعالها، وكأنـه يروض القطـة الشرسـة التي ظهـرت لدقيقة، ثم اردف بهدوء حذر بجوار اذنهـا :

_ انا اسف يا حبيبتي، بس فعلاً الموت ده حق، ومحدش يقدر يهرب منه

لم تبـدى اى رد فعـل، دوى صوت أنفاسهـا المختنقـة فقط، وبدأ الحـزن يتسلل بين احباله الصوتيـه ليتمعق نبـرته الرجولية، ليكمـل قائلاً :

_ حتي لو جرالي حاجة يا شهدى، هافضل معاكِ دايمًا، بس هنـا

قـال اخـر كلماتـه وهو يشير بإصبعه لقلبهـا الذى بـدأ يـدق بصخب، يبدى اعتراضه علي كلمات حاكمـة الهادئـة، ولكنها تقـع عليه جامـدة قاسيـة، نهرتـه شهد بحنق :

_ بعيد الشر، اسكت بقا والله انا هيجرالي حاجة لو انت جرالك حاجة

كـاد يتفـوه بشيئً اخر، حتي قاطعته وهي تضع يدها علي فاهه قائلة بجدية لا تقبل النقاش يشوبها الأمـر :

_ خلاص، بإذن الله هانربي ابننا سوا، وهانفضل مع بعض لحد اخر نفس مع بعض بردو

اومـأ بهـدوء ولم يعترض، ولكن بداخله يجهـل معرفة سبب هذا الكلام الان، ولأول مرة يشعر أنه يخشي الموت بهذه الدرجة، لم يكن هذا عمر الذى كان كالجثمان الهامد بلا روح، لا يشعر .. لا يخاف .. لا يحزن، ولكنها بثت فيه الـروح، والان يخشي الموت، يخشي تركها وطفله وحيدة بين براثـن الذئاب التي تنتظر هذه اللحظة منذ آمــد بعيـد، أفـاق من شـروده علي صوت شهد المتساءل بحيـرة :

_ لكن قولي بقا يا عمر

رفـع حاجبه الأيسـر، وهتف مشاكسًا :

_ وانا اقولك يا عمر لية، انتِ اسمك شهد

ضحكـت شهد بخفة علي جملته التي استشفت منها انه يحاول تلطيف الاجواء التي عكرها منذ دقائق، لتسأله مرة اخرى :

_ بجد بجد، انت هتقول اية لخالو ؟

صمت بجديـة مفكرًا، هو نفسـه لا يعرف ٱجابة حتي الان لسؤالها، ولكنه قـال وقد عاوده ذاك الغموض :

_ مش عارف، بس اعتقد كدة اه

أبتسـمت شهد ولم تعقـب، اكتفت بإحتضانـه بقوة، لتثبت لنفسها أن كل ما قاله ما هو إلا تهـيئـات نفسية فقط، ها هو بين يديها الان ولن يحدث اى شيئ .

********

رواية مواجهة الأسد

دخـل بهدوء الي المنـزل، يـرى كل الأجـواء امامـه سعيدة هادئـة، تتطايـر امامه عصافيـر الحب لتخبـره أن يسـرع ويسرع ليركض لمعشوقتـه الوحيـدة، كانت الإبتسامة الحالمة تـزين ثغره، لتعطيـه مظهر رجولي جـذاب، جسده في المنزل ولكن قلبـه تركـه لديها يستمتع بقربـها، وجد والدتـه تجلس علي الأريكة، ملامحها لا تبشر بالخيـر ابدًا، تضع وجهها بين راحتيهـا، تدب علي السجـاد الكبير المفروش علي الأرضيـة بقوة، وكأنه صُنـع ليتحمل غضبها فقط !!

أقتـرب منها ليجلس بجوارها بهدوء، ثم تنحنح قائلاً :

_ اية يا حبيبتي عاملة اية ؟

رفعـت رأسها ببطئ لتقابلـه عيناها الغاضبـة، تصنـع عدم الفهم وهو يقول :

_ مالك يا أمي في اية ؟

كان وجهها خالي التعبير وهي تجيبه بصوت قاتم :

_ معرفش، انت شايف اية !؟

رفـع أكتافـه بعدم فهم مصطـنع، لتقول هي بتساؤل حـاد :

_ كنت فين يا عبدالرحمن ؟

عقـد حاجبيـه بضيق، ثم قال متعجبًا الي حدًا ما :

_ اول مرة تسأليني السؤال ده يا امي يعني، في اية ؟

جـزت علي اسنانها بغيظ، ثم استطردت ببعض الحـدة :

_ رد علي سؤالي، كنت فين يا عبدالرحمن

لم تعطـيه الفرصة للـرد، وتابعت بغيظ :

_ كنت عندها صح، كنت عند الي ماتتسمي حتي بعد الي حكيته لى عن اختهـا

زفـر عبدالرحمن بضيق وهو يغـرز اصابعه السمراء في شعره الأسـود حتي كاد يقتلعه من شدة الغيظ، ثم أجابها ببرود :

_ ايوة كنت عندها، ولو سمحتي ماتخلنيش اندم انى حكيت ليكِ

هـزت رأسها وقالت بسخريـة :

_ ايوة قولتلي امبارح، والموضوع قرب يكمل اسبوعين !

شعر انهـا تستنفـذ كل فرص صبـره عن عمد، لتستطع فعل ما تريـده، دون أن تضطر لمواجهة ذاك القنـاع البارد الذى يرتديه وقت ما يشـاء، اردف منهيـًا الحوار :

_ معلش هبقي احكى ليكِ دايمًا اول بأول بعد كدة يا حبيبتي

نهضـت وهي تشيـر له متابعة بصوت آمر :

_ خليك عارف إني مستحيل أناسب واحدة زى دى يا عبدالرحمن

بالفعـل نفذ صبـره، نهض هو الاخر، ليصيح بغضب هـادر قائلاً :

_ يووه، وهي ماقالتش كدة لية وهي عارفة إنها هاتتجوز واحد عنده مرض نفسي، ولا حلال لينا وحرام ليهم

عقـدت ساعديها بلامبالاة من حديثه الذى لم يهز شعره واحدة لديها، لتقول ببرود :

_ مليش فيه، انت مش مجرم لكن اختها مجرمة

صـرخ فيها بنفـاذ صبـر :

_ قولتلك برييييئة بريييئة يا امي افهمي

إحتقـن وجهها بغضب، وإتسعت عينـاها بصدمة وغضب معًا، سـارت متجهة لغرفتها وهي تتشـدق بــ :

_ انت مش عارف حاجة، انا عارفة مصلحتك فين انا امك

سـار متجهًا للخـارج وهو يتمتم بغضب :

_ خليكِ عارفة إني بكرة هاخد بابا واروح اكتب علي رضوى، انا كبير كفاية انى احدد انا عايز اكمل حياتى مع مين

ثبتت اقدامها بالأرض بصدمة باتت واضحة علي ملامحها الصارمة، لم تتخيل أن ولدها الوحيد سيفعل ما يرغب به وإن كان ضد رغبتهـا !!

ما إن افاقـت من صدمتها حتي ادركت أنه خرج من المنزل تاركًا اياها تتخبط بأفكارها وتنصب خيوطها اينما ارادت كالعنكبوت لتوقـع الفريسة في شباكها .

***********

رواية مواجهة الأسد

خـرجـوا من مكتب المـأذون، فرحـين مهللين، وقد أتمـوا زواجهم للمرة الثانيـة، ولكن هذه المرة بمشاعر مختلفة متبادلة من الطرفين، ووعود مختلفـة، بعقـد قد عاهدوا انفسهم أن يكون هو القفـص الذى سيحمي عصافيـر الحب، الذى سيمنعهم من ان ينفـرد كلاً منهم بحاله يومًا ما، ايديهم متشابكة بقوة، كعلامة علي اتحادهم، اتحاد حبهم لأنفسهم ولطفلهم، اتحادهم الأبــدى .. !

قطعـت مها الصمت قائلة بسعادة :

_ اول مرة أحس إني مبسوطة اوى كدة يا احمد بجد

أبتسـم احمد بسعادة مماثلة، كومـة سعادتها الحالمة لا تقل شبرًا واحدًا عن سعادتـه بأستعادة زوجتـه التي فرقها الزمن عنه، أجابـه والفـرح يشع من عيناه :

_ مش اكتر منى، ربنا يخليكِ ليا يا حبيبتي

تنهـدت بهدوء، وراحت تفكـر في البذرة التي تجمع زهورهم سويًا، طفلهم الوحيد، ذاك الذى يذكرها أنه خُلق ليجمع بينهم دائمًا ” سيـف ” ، كم اشتاقت له حقًا، عادت تسألـه بهدوء حذر :

_ هانروح نجيب سيف دلوقتي ؟

صمت لثـوانٍ يفكـر، ثم قـال بصوت أجش :

_ اكيد، مش هانسيبه بعيد عننا لحظة

اومـأت بتأكيـد، قبل أن يسألها هو هذه المرة بنصف عيـن :

_ لكن انتِ هتواجهي والدتك ايًا كان رد فعلها يا مها ؟

اومـأت مؤكدة وهي تقـول بنبرات كساها الحزن والنـدم :

_ ايوة لازم، أمي عاملة زى، موجه جت علينا انا وهي، خلتنا مابقناش عارفين احنا بنعمل اية، ولا مدركين احنا اد اية بنأذى ناس احنا ممكن نكون بنحبهم اوى

صمتت لبرهـه، لتتـابع بنفس النبرة وبحزم :

_ ماما محتاجة حاجة تفوقها من الي هي فيه، زى ما السجن فوقني، وكأن ربنا قرر يعفوا عني ويديني فرصة تانية

واخيـرًا من دون قصـد اكدت له مرة اخرى انها تغيـرت للأفضـل، تغيرت ولن تعاود ذاك الطريق ابدًا ..

قطـعت شروده وهي تقول بحماس :

_ طب مد بقاا عشان بصراحة جعانة نروح ناكل، ونروح عشان نشوف سيف

اومـأ مؤيـدًا بأبتسامة، ثم غمغم بحب :

_ حبيبتي تؤمـر وانا أنــفــذ

بعد دقائق وصـلوا امام السيـارة الخاصة بأحمد، وركبــوا بهدوء، متجهين للمنزل .

***********

رواية مواجهة الأسد

كـانت مـريم في غرفتـها في منزل عمـر، تسيـر في غرفتهـا ذهَابًا وايابًا، تفـرك اصابعها بتوتـر، عقلها منشغل في التفكير بالكثيـر من الأفكـار السيئة، واولهم أن عمر من سابـع المستحيلات كما يقولون أن يوافق علي ارتباطهـا، هـزت رأسها نافيـة وهي تحاول اقناع نفسها أن عمر يحبها اكثـر من شقيقـة، فهذا يعد من المستحيل أن يدمـر سعادتها بكل بساطة، هـزت رأسها تقنـع نفسها وهي تهتف بصوت ظنتـه في خواطرها فقط :

_ ايوة عمر مش هايعمل فيا كدة

رن هاتفهـا معلنًا عن إتصـال، أقتربت بسرعة والتقطته من الفراش، ثم اجابت بلهفـة قائلة :

_ الووو نادى

_ ايوة يا مريم، كيفك وكيف الدنيا عنديكي ؟

_ تمام تمام، انت الي قولي اخبار الدنيا عندك

_ لحد دلوجيتي ماعرفشي حاجة، بس انا مستبشـر خير

_ وعمر، عمر عامل اية يا نادى ؟

_ تمام، جال لأبـوى انه عايفكر في طلب يده للجواز منيكي

_ ياارب يوافق يا نادى

_ يارب يا جـلب نــادى

_ بالرغم من إني مكنتش عايزة عمر يعرف بالطريقة دى

_ امال كيف كنتِ عايزة يا مريم ؟

_ كنت اتمنى انى انا احكى له، وميكتشفش هو فجأة من شك، لكن القدر دايمًا بيعاندنى كدة

_ معلشي يا حبيبتي

_ تمام، لو حصلت حاجة تاني عرفني

_ حاضر يا مريم

_ باى

_ مع السلامة، خلي بالك من نفسك

 

أغلقـت وهي تتنهـد بضيق اجتاحهـا وبشدة، فهي حقًا لم ترغب بذلك التطور السيئ، ولكن ما باليـد حيـلة .

***********

رواية مواجهة الأسد

كانت رضوى مسطحـة علي فراشهـا بجوار ” سيـف ” تحتضنـه بحنان وهي تربـت علي شعره الكثيـف، تغمره بحنانها وهي تجهل السبب، ولكن ربما لأنها ارادت ان تجد ذلك الحنان يومـًا، وها هي وجدتـه، اخيرًا ابتسم لها القـدر وقرر أن يوهبها بعض السعـادة لتتذوق طعمها الذى اطال غيابه عن مذاقهـا، تنهـدت تنهيدة حارة وهي تتذكر اختهـا، لم تستطع زيارتهـا منذ اخر مرة، لا تعرف عنها اى شيئ، تشعر بالذنب تجاهها، ولكن الحيـاة شغلتها عن تلك الزيارات، ولكنها ستزورها بالتأكيـد .. !

تململ سيـف في الفراش، ورفع ناظريـه لرضوى متساءلاً بحزن طفولي :

_ خالتوو رضوى، هي فين ماما ؟

أصـاب سهم كلماته البسيطة مقتل، شعرت بوغـزة مؤلمة في قلبها، هي تقدر شعوره الان، ابتعادها عن والدتها كان فوق احتمالها هي، ما ادراك شعور ذاك الطفل !!

رسمت علي ثغرها ابتسامة مزيفة، ثم اجابتـه بهدوء :

_ ماما مسافرة وزمانها جاية يا حبيبي

همس بإختنـاق وهو يزم شفتيـه بعدم رضا:

_ ماما مش بتحبني يا خالتو صح ؟

شهقـت بصوت مكتوم وهي تهز رأسها نافيـة، ثم قالت مسرعة :

_ لا لا يا حبيبي، بتحبك جدًا، زمانها جاية

اومَأ سيف بحزن طفولي واستند بأكمله علي ذراع رضوى، وراح في سبات عميق، بينما كانت رضوى تتخيل حياتها مع عبدالرحمن، مؤكد ستكون اسعد انسانة، ولما لا، فهي ستصبح زوجتـه .. ملكته .. لن يستطع اى شخص ابعادهم عن بعض .

سمعت طرقـات هادئة علي الباب، علمت انها والدتها فأذنت لها بالدخول، دلفت والدتها والضيق بادى علي محياها، نهضت رضوى بهدوء، بينما اقتـربت منها والدتها قائلة بحنــق :

_ عملتي الي فـ دماغك، لكن انا سيباكِ بمزاجى انا هاا

اومـأت رضوى بلامبالاة وهي تنظر للجهة الاخرى، في حين اكملت ” نبيلة ” بغيظ :

_ لكن انا لو مش عايزاكم تتجوزا محدش هايمنعني خالص

مطت رضوى شفتيهـا بأعتراض، ثم تمتمت بأمتعاض :

_ كتر خيرك بصراحة

استـدارت واولتها ظهرهـا لتتجه للخارج، وهي تقـول بتوعـد شـرس :

_ بس مترجعيش تندمي بقااا

توجسـت رضوى، وسألتها بقلق :

_ قصدك اية يعني ؟

رفعت اكتافها بلامبالاة، ثم ابتسمت ابتسامة خبيثة وهي تقول :

_ معرفش، انا بأحذرك بس

*************

رواية مواجهة الأسد

كـان عمر بالأسفـل، يقف بهدوء، بهيئتـه الرجولية الثابتـه، وقد ارتدى ملابسه استعدادًا للخروج، والتي كانت عبارة عن قميص من اللون الأخضر الغامق، وبنطلون بنـي جينـز، ويضع العطر المفضل، زادتـه ملامحه الهادئة جذب ووسامة، فيما كانت شهد متأبطـة ذراعـه والإبتسامة علي ثغرهـا الأبيض، ترتدى فستـان أحمر ذو اكمام طويل، مطرز عند منطقة الصـدر، رقيق وهادئ بشكل يجذب الانظار، وتصفف شعرها الذهبي تاركة اياه ينسدل علي ظهرها، ليصل اخر ظهـرها، كانوا كالزوجين الذين يقضـون شهر عسلهم، من يراهم ربما يحسدهم دون قصد، كانوا بأنتظار قدوم اى شخص ليخبروه، أتـي خالهم بخطواته الواثقـة، لترتسم الابتسامة علي ثغره ويهتف بتساؤل :

_ رايحين فين يا عرسـان إكدة ؟

اجابـه عمر بأبتسامة و بهدوء :

_ رايحين ناكل برة يا خال

اومـأ خالهم موافقًا، ثم قال بحنـان :

_ ربنا يهنيكم يا ولادى

ردد كلاً منهم بسعادة ” آمييييين ”

استـداروا متجهيـن للخارج، بخطي هادئة، حتي وصلوا امام سيارة عمر، لتركـب شهد بهدوء وعمر امامها حتي يتأكد من عدم تكرار ما حدث، اغلق الباب واستدار ليركـب من الجهة المعاكسة، ولكن فجـأة، دوى صوت الطلق النـارى، واخترقت الرصاصة جسـده دون رحمة و………

 

للكاتبة رحمة سيد

*************

 

 

رواية مواجهة الأسد

الفصل الثامن والخمسون :

 

تقف كالصـنم تمامًا محدقة بعمر الذى سقـط ارضًا يتـأوه من الألـم، حدقتـيها متسعتيـن بصدمة وفاغرةً شفتيهـا التب ترتجف بخوف، وتبلد جسدها، عينـاها توحى ببشاعة الصدمة التي رأتهـا، وكأن الزمـن توقـف عند هذه النقطـة، سـارت سفينـة ايامهم السعيدة عكس ريـاح السعادة لتُدمر وتغـرق فجـأةً !!

صمت .. صدمة .. سكـون، وأطلقـت صرخـة مدويـة خرجـت من أعماقها المتألمة، تحول سكونها لهيستريـا مرتجفة وهي تركض نحـوه ثم جثـت علي ركبتيـها تضرب وجنته بخفة وهي تقول بشهقـات متتالية :

_ لا عمر لا اوعـّ اوعى تسيبني، عمر قـ قوم

هبطـت دموعها من عينيها اللؤلؤية، ليشعر بسخونتها علي بشرتـه، اخـذ يتمعن النظر لبحر عينيها العميق، يتنفـس بصعوبـة شديدة، ملابسـه مغطـاه بدماؤوه، وخاصةً عند منطقة ” القلب ” ، هتف بوهـن وهو يكاد يغلق عينيـه :

_ شـ شـهـدى، انـا آآ بأحبـك اوى

هـزت رأسـها نافيـة بهيستريـا، وهي ترى عينــاه الحمراوتيـن تغلقـان، هزتـه كأنه تنهـره علي شيئ ما بصراخ :

_ لا لا انت مش هاتسيبني، يااااااارب

في نفـس اللحظـات كان الجميـع من حولهـا، ألجمت الصدمة لسان الجميع واولهم خالهـا الذى صُعـق من مظهر عمر، وافـاق من صدمتـه سريعًا قائلاً لمحسن بصوت آمـر :

_ اطلب الاسعاف بسررررعة

شهـقت زوجة خالهم بصدمة وحزن مرددة بجـزع :

_ يا حبيبي يابني، ربنا يقومك بالسلامة

ركـض محسن مهرولاً للداخـل، بينما كانت شهد محتضنـاه وتبكـي بقوة ونـواح، جـزء من داخلهـا يكاد يهرب من بين يديها للأبـد، لم تـراه ضعيف هكذا من قبل، وكأن لسانها يردد دون إرادة منها بتصميم :

_ لأ انت هاتعيش وهانربي ابننا سوا

جاء محسن بسرعة وهو يلهث ثم قال :

_ اتصلت وخبرتهم، بس رأيى انهم ممكن يتأخروا، احنا ممكن ناخده بالعربية علي اجرب مستشفي احسن

اتكئ بجزعـه قليلاً للأسفل ووضع يده بجـوار رقبة عمر ليستشف إن كان علي قيد الحياة ام لا، ثم نظر لهم قائلاً ببعض من الأرتيـاح :

_ لسة عايش الحمدلله بس النبض ضعيف

اومـأ الخـال، ثم اقتـرب كلاً من محسن ونادى وحملوا عمر برفـق ثم وضعـوه في الكرسي الخلفي للسيارة، وشهد خلفهم ركبت لتضع رأس عمر علي فخذيهـا، وركبوا هم وانطلق محسن لأقـرب مستشفي، يتبعهم خالهـم في السيارة الاخـرى علي عجلة من امرهـم .

**********

رواية مواجهة الأسد

وسط اربعـة جدران، سجن قديـم هش، يجلس هو علي الأرضية، يضم ركبتيـه الي صدره، شـارد الذهـن، ووجهه واجـم، طال شعـره الكثيف الأسود، وظهرت ذقنـه لتعطيـه شكل مثيـر للشفقـة، عينـاه محدقة بالفـراغ، وعقله يذكـره بكل ما فعلـه في حياتـه، صورته وهو يكذب علي الفتيـات ويخدعهن ويأخذ منهم كل ما يملكن تجسدت امامه صور شربه للخمر، الزنـا، النصب، واخيرًا.. اغتصـاب شقيقته وقتله لمحمود، كأن عقلـه تعمد أن يُذكره ليثبت له ان كل ما هو فيه ليس إلا جزاؤوه، يعقاب علي كل ما فعله، حتي حبيبتـه الوحيدة ” رضوى ” التى احبها لم يستطيع التعبير لها عن حبه الأنانى بصورة طبيعية، حياته كلها مُدمرة تمامًا، شعر بالدوار من كثرة التفكيـر، عينـاه السوداء الهائمة تجعلك تشعر كأنه علي حافة المـوت، ولما لا ؟!

بالفعل تم الحكم علي ” شهـاب ” بالأعدام، أبتسم بسخرية مريرة، ثم خفض رأسـه لينظر علي ” بدلة الأعدام ” الحمراء، اصبح يمقت اللون الاحمر في اخر ايامه، بالرغم من كل ذلك الا انه يشعر ببعض الراحـة، ربما لأنـه سيتلقي عقابه في الدنيـا، ليخفف عنه الله في الاخـرة، تنهـد بقوة وهو يحدث نفسـه بتهكم :

_ وانت كنت مستنى اية بعد ده كله

صـمت برهـه ثم أكمل :

_ كنت مفكر انك بعد ده كله هاتعيش حياتك عادى وهاتتجوز الطاهرة العفيفة وتخلف قطاقيط حلوين !!

ضحـك بسخرية ولكن بصوت اعلي هذه المرة، ثم مـدد جسده علي الأرضية البـاردة، واغلق جفنيـه عله يمنع تلك الصور التي تتجسد امامه من ملاحقتـه، ثم همس وهو يجبر عيناه علي النوم الذى لم يعرف طعمه منذ ايـام :

_ سامحنـي يااارب سامحني

***********

رواية مواجهة الأسد

كـانـت رضوى تـقف امام المرآة الخاصة بها في غرفتـها، وشعرها البنـي منسدل علي ظهرها، تضـع بعض من الملـع علي شفتيـها المنتكزتين، وكحلت عينيهـا السوداء ليعطيها مظهـر جذاب، بمنامنتها الحمراء التي كانت عبارة عن بنطال ضيق الي حدًا ما والتيشرت النصف كم، تطالع نفسها في المرآة وعينيها تلمعـان بسعـادة شديدة، تهندم نفسها كالعروس لزوجـها، وما المانع إن كان بالفعل ستصبح زوجتـه غدًا، غـدًا .. تتمنى أن تنام وتستيقظ لتجد نفسها في الغد، لأول مرة تتمنى ان يمر الوقت سريعًا، تشعـر بقلبهـا يدق صخبًا كأحدى الحفلات السعيدة تقييم به، بالفعل تشعر انها تحتفـل ويحتفل هو بأنتصـاره الأبـدى، تسللت ابتسامة حالمة لتزيـن ثغرها لتعطيها جاذبية اكثـر، استدارت وإتجهـت للخارج بخطى هادئـة، حتي وجدت ” نبيلة ” تجلس علي الأريكة بهدوء تشاهد التلفـاز، تنهـدت رضوى بقوة قبل تهتف بهدوء حذر :

_ طنط نبيلة

نظـرت لها بطرف عينيها ثم اجابتها بنزق :

_ اممممم احكى يا حبيبة طنط

اقتـربت منها رضوى حتي اصبحت امامها تمامًا، لتتفحصها نبيلة بعينيها كالصقـر، لمحت رضوى السخرية في عينيها، وكادت تتفـوه بشيئً ما حتي قاطعتها نبيلة بتهكم واضـح :

_ اية الي انتِ عاملاه ف نفسك ده، للدرجة دى فرحانة كدة !

قالت جملتها وهي تشير لها من اعلاها الي امحص قدماها، ربما كانت تخفـي غيظها الذى ان خرج يكاد يأكل اى شخص امامه خلف هذا القنـاع الساخـر، بينما رمقتهـا رضوى بغيظ قبل ان تعقد ساعديها وهي تقول ببـرود ظاهرى :

_ عاجبني انا يا طنط، واه مبسوطة جدًا

رفعـت نبيلة كتفيها بلامبالاة ثم قالت بصوت أجش :

_ مش موضوعنا، انتِ كنتِ عايزة اية ؟

اقتـربت رضوى تجلس بجوارها، ثم مدت يـدها لتتناول من ” اللُب ” الذى كان موضوع علي المنضدة، ثم وضعتـه في فاهها قائلة وهي تنظر لنبيلة :

_ اه صحيح يا حبيبتي، كنت عايزة اسألك انتِ اتصلتي بكل قرايبنا تعزميهم ولا لا ؟

جـزت نبيلة علي أسنـانها بغيـظ، كلما تذكـرت أن سفينـتها التي جعلتها ترسـو علي شاطئ الحياة بعد عناء، تحركت لتغرق بسهولة هكذا تشعر بالشياطين تتقافـز امامها، أفاقت من شرودها وهي تقول بغيـظ :

_ اه اتصلـت بيهم

أبعدت رضوى خصلات شعرها عن عينيها ثم نظرت لها وقالت متساءلة بتأكيد :

_ وقولتى لخالـو مسعد ؟

اومـأت نبيلة بهدوء وهي تسخر بداخلها :

_ خالو مين ان كان انا مش امك

عادت تسألها رضوى مرة اخرى :

_ وشهد ؟ ، قولتى لشهد ومحسن ولا قولتى لخالو مسعد بس

مطـت نبيلة شفتيها بعدم رضا، ثم قالت بلامبالاة :

_ قولت لمسعد وهو اكيد هيقولهم

تأففـت رضوى بضيق، ثم قـالت بحنق :

_ طب ما تقوليله يجيبهم معاه، ولا دول مش ولاد اختـك يعني ولا عشان امهم ماتت، وإن كان ،دول زى ولاده هو علي الاقل !!

*********

كـانت شهـد تجـلس علي احدى المقـاعد امام غـرفة العمليـات، تقدم جسدها للأمام وتضع وجهها بين راحتي يدهـا، ولم تستطـع منـع صوت شهقاتها من الصدور، شعرها الذى كام مهندم منذ دقائق اصبح متناثر علي وجههـا الأبيض الذى ازداد احمرار من كثرة البكـاء، وجسدها ينتفض بقوة كلما تذكرت استكانته بين يديهـا، وكان محسـن يقف بجوارها يتبعه ” مسعد ” ونادى، التـوتـر والصدمة الجامحة يشوبـان المكـان، الاجواء محملة بالخوف وسط بكاء شهد الذى يقطع نياط القلب، اقترب محسن منها يربت علي كتفـها برفق، ثم هتف بخفـوت :

_ شهد اهدى مينفعشى كدة يا حبيبتي

ابعـدت يدها ونظـرت له، فوجئ بوجهها الشاحـب، وعينيها الحمراء المبللة بالدموع، وشفتيها الزرقـاء المرتجفتين من الخوف، خفق قلبه بحزن علي زهرته التي كانت متفتحة مسبقًا، لتزمجر هي فيه :

_ عايزنى اهدى ازاى يا محسن وجوزى بين الحياة والموت جوة

اطـرق رأسه بأسي، قبل ان يكمل برجاء :

_ طب علي الاجل عشان خاطر الي في بطنك دِه ملهوشي ذنب

أغمضـت عينيها بألم واطبقت علي جفنيها بقوة، وآآه من طفلها الذى لم يُولد، جملته لم تصيب المكان الصحيح، جعلتها تشعر انها تفتقـده وبشدة كلما تذكرت ذاك الطفل الذى كان ينتظره بفارغ الصبـر، أصابها بمقتل شعورها ان طفلها سيولد دون أب !!

لا لا سيصبـح بخير تمامًا ..

قالت لنفسها هكذا بأصرار وهي تنهض لتقف امام الغرفة، ثم نظـرت من خلف الزجـاج لتجـده جثة هامدة تمامًا، والأطباء يحيطون به من كل الجهات، لم ترى سوى وجهه الذى هـرب الدماء منه، ملست علي هذا الزجاج اللعين الذى يمنعها عن زوجها وحبيبها بإشتيـاق، ولاحت نظرة الحزن والضعف الأفق في عينيها البنيـة، لم تـراه ضعيف ومتهالك هكذا من قبل، ولا تريد أن تراه ابدًا، حتي وإن كان يمارس قوتـه عليهـا، اقترب منها خالها هذه المرة يحاوطها بذراعيه قائلاً بصوت اجش :

_ حبيبتي انتِ مؤمنة بجضاء ربنا صح

اومـأت شهد ونظرها معلق بعمر، ليتابع هو بهـدوء قائلاً :

_ يبجي تدعي له وتهدى إكدة عشان اكيد لو كان معانا دلوجيتي كان هيزعل علي حالك دِه

حاولت التمالك قـدر المستطـاع وهي تومئ موافقـة، ليقول خالها بتمني :

خليكِ واثجـة فـ ربنا وهو مش هايخيبك ابدًا

غمغمت هي بألـم يتملكها مرة اخرى :

_ كان قلبه حاسس، كان بيتكلم بغرابة الصبح

صمتت لثوانٍ تتذكر لتنهمر الدموع من لؤلؤتيها مرة اخرى، لتستطرد بلوم لنفسها:

_ كنت مستغربة كلامه بس دلوقتي فهمت، انا الي غبية عشان مخلتهوش جمبي

هـز رأسه نافيًا ثم قال مسرعًا بوهن :

_ ده جضـاء ربنا يا بنيتـي .

***********

رواية مواجهة الأسد

وفي الهدوء، كـانوا في احدى المطاعـم الشهيرة الفاخمـة، مكان كبير نظيف علي منضدة متوسطة، تحاوطهم الشموع ويغطيه الضوء الخافـت، مزينـة بشكل مُبهـر، تجلس مها التي لم تختفي الابتسامة من علي ثغرها وهي تضع يدها اسفل ذقنـها، تنظـر لأحمد نظرات سعيدة .. حالمة، وكان احمد يبادلها النظرات العاشقـة، ولكن يشوبها نظرات متأسفة الي حدًا ما، تجهل هي سببهـا ..

قطـع احمد حديث الأعين وهو يتنحنح قائلاً بهدوء حذر :

_ اية يا مها كُلي يلا بقا عشان نمشي

قال ذلك وهو يشير للطعام الموضوع امامهم بتنظيم، لتومئ هى بأبتسامة :

_ منا باكل، كل انت كمان

أمسكت بالملعقة لتضع الطعام في فاهها علها تدارى احراجها، سمعت احمد يقول بغمـوض لأول مرة تلحظه في نبرته :

_ مها هو انتِ لو لاقيتي حاجة ف حياتي متعرفيهاش، هاتفضلي موافقة صح ؟

رفعت رأسها لتقابل عينيه السوداء، ثم سألته بأستفسار :

_ ع حسب اية هي الحاجة دى ؟

تنهـد بقوة قبل أن يترك الملعقة ويقول بصوت قــاتــم :

_ حاجة كنت هأعملها بس انتِ ظهرتى تاني فجأة ف حياتي

دق قلبهـا بخـوف، وهددت حصونها بالأنهيـار، لتردف بتوجـس :

_ ما تقول يا احمد اية دى، لية كل الألغاز دى ف كلامك !؟

هـز رأسه نافيًا، ثم قال بصوت حازم :

_ كل حاجة بأوانها احسن

عقـدت حاجبيهـا بضيق، ما لبث أن مـرت بضع ثوانٍ لتجـد فتاة في العقد الثاني من عمرها، ترتدى بنطال جينـز وتيشرت احمر نصف كم، تصفف شعرها الأسود بشكل منظم، وتضع بعض مساحيق التجميل، تقف امامهم وهي تنظر لأحمد هاتفة بدهشة :

_ اييية ده احمد انت هنا

حدقـت بها مها بقـوة، وهمست فاغرةً شفتيها :

_ انتِ مييين انتِ ؟

لم تعطيـها الفتاة اى اهتمام، بل ظلت ناظرة لأحمد الذى بدأ الارتباك يهز كيانـه، لتكمل بنزق :

_ طب ماقولتليش لية كنت جيت معاك

هب احمد واقفًا بثبات مزيف، ثم إبتلـع احمد ريقـه بإزدراء، ثم همس بقلق :

_ معلش يا رودينا مرة تانية، روحى انتِ دلوقتي وهانبقي نتكلـم

اومـأت ” رودينـا ” موافقة علي مضض، ثم عانقـته بأبتسامة قائلة بصوت مسموع :

_ Ok , see you soon babe .. Love you so much . ( أراك قريبًا حبيبي، احبك جدًا )

غلي الـدم في عروق مها، ثم نهضت وهي تصيح بها بحدة :

_ انتِ مين يا مجنونة انتِ

ابتعدت رودينا قليلاً عن احمد، لتنظر لمها شرزًا، ثم قالـت بحنق :

_ No no, this you, I will be his future wife . ( انا اكون زوجته المستقبلية )

 

***********

رواية مواجهة الأسد

استمر الوضع كما هو عليه، شهد تنتظر بالخـارج، تنتظر خبر بقاءها هي علي قيد الحياة ام موتهـا، نعم ، فموت عمر لن يهز كيانها فقط بل ليس من المستحيل أن تنتحر بعده، لم تتخيل الحياة من دونه يومًا، قلبها ليس بحمله بل معه بالداخل، واعدًا اياه ان لا يتركه اينما ذهب، والجميع من حولها يحاولون مواستها، وهم بالأصل خائفـون وبشدة، واخيرًا خـرج الطبيب بعد ساعتـان تقريبـًا من غرفـة العمليـات، كان طبيب يبدو عليه كبر السـن، ركضوا يقفوا امامه بسرعة وامامهم شهد، ليبعد الطبيب الكمامة عن وجهه وقد بدى عليه الإرهـاق، لتهتف شهد بلهفة :

_ طمنى يا دكتور

اغمض عينيـه بقوة، ثم قال مهدئـًا اياه :

_ انتِ تقربي له اية ؟

اجابته شهد مسرعـة :

_ انا مراتـه، هو عامل اية دلوقتي ؟

تـابع ” مسعد ” متساءلاً بجـدية :

_ خير يا داكتور اية الي حُصل

نظـر الطبيب لشهد بهدوء، ثم قال بغموض :

_ اهدى يا مدام، وكونى قوية وارضي بقضاء ربنا دايمًا

نظـرت له بطرف عينيهـا، وهرب الدم من وجهها، وبدأت تتراجع للخلف بخوف رهيب، ثم عادت تسأله بهلـع :

_ عمر حصله اية يا دكتور ؟؟؟؟

 

للكاتبة رحمة سيد

****

 

 

رواية مواجهة الأسد

الفصل التـاسع والخمسون ( الجزء الأول ) :

 

تنتظـر بكل جوارحهـا هذه الكلمة التي تطيب خاطرها، تنتظر إخبـاره انه بخير تمامًا، هي اساسًا لن تسمع سوى هذه الكلمة، أذنـيها قبل عقلها لن يسمعوا غير ذلك، وقفـت في عرض البحـر منتظرة قدوم قـارب النجـاة، تنهد الطبيب تنهيدة طويلة حـارة قبل أن يـتـابع بجدية :

_ احنا شيلنا الرصاصة خلاص، كانت جمب القلب بالظبط وربنا سترها معاه لأنه لما اخد الرصاصة علي ما اعتقد كان بيتحرك وده حظه أنه الي ضربه ماعرفش يجيبها عند القلب بالظبط والا كان هيبقي في كلام تاني

تنهـدت بأرتيـاح شديـد، وانفرجت اساريرها بسعادة، تشعر كما لو أنه ازاح جبلاً ثقيلاً من علي قلبها، واين قلبها اساسًا، قلبها معه هو، ربما رحم جسدها ولو قليلاً لتهدأ وتستريـح، همسـت بسعادة وإمتنـان :

_ الحمدلله الحمدلله يارب، الحمدلله

أبتسـم محسن بسعادة، في حين أكمل الطبيب بأكثر جدية :

_ بس في حاجة يا مدام

إبتلعت ريقها بصعوبة ومن ثم سألته بتوجس :

_ خير يا دكتور في اية ؟

أجابـها بهدوء حذر قائلاً :

_ هو دخل في غيبوبـة، وف العناية المركزة والمفروض انها غيبوبة مؤقتـة، ادعى له بقا يفوق منها بسرعة

تقلصـت حدقتي عينيها بصدمة، ولكن صدمة عن صدمة تختلف، الغيبوبة تعد أفضل بمراحل عن .. الــمـوت !

عاد يضـع بعضًا من الحمل الثقيل مرة اخرى، ولكنه عطف عليها هذه المرة وكان أخـف قليلاً، انتشل منها سعادتها فجأة، فيما استطرد هو بنفس هدوءه :

_ بس مفيش خطر علي حياتـه، احمدى ربنا انها جت علي اد كدة

يتلاعـب علي اوتارها الحساسة ببرود دون أن يشعر، لم تشعر بحياتها يومًا أن مشاعرها متخبطة مثل اليـوم، غمغمت بهدوء حذر :

_ الحمدلله ع كل حاجة

اومئ الطبيب ثم استـدار يغادر علي عقبيـه مرددًا بصوت اجش :

_ شفـاه الله وعفـاه

همس محسن بأمتنـان وبعضًا من الحزن :

_ امين، شكرا يا دكتور

نظـر ” مسعد ” لشهد بهدوء ثم ربت علي كتفيها وهو يقول مهدئـــًا :

_ الحمدلله يابنيتي، الضامن ربنا بس دلوجتى احنا اتطمنا انه هيبجي معانا، جضي اخف من جضي

اومـأت شهد موافقـة بأقتنـاع، ثم استدارت وجلسـت علي الكرسي مرة اخرى بهمدان، ترمى بثقل جسدها وهمومها عليه، أقتـرب منها محسن، يطالع هيئتها المرزية، وملابسها المليئة بالدمـاء، زفر بقوة قبل ان يقول بحـزم :

_ يلا بجا عشان نروحوا تغيرى هدومك

هـزت رأسها نافية بسرعة وانتفضت كأن سلك كهرباء عارى لمسها، ثم اردفت مسرعة بنفي تام :

_ لا ابدًا، مش هاتحرك من هنا غير مع عمر

اجابهـا بصوت آمــر :

_ لا ماهينفعشي، روحى غيرى هدومك وهجيبك تاني

نظرت له بأستعطاف كأنها تتوسلـه ان يتركهـا، ثم هتفـت برجـاء وإصرار :

_ محسن لو سمحت سيبني، انا كدة مرتاحة جدًا، لكن مش هابقي مطمنة لو مشيت، ارجووك

أمسـك وجههـا بين كفيـه بهدوء، ثم تـابع بحنان قائلاً :

_ حبيبتي انا حاسس بيكِ وعارف، بس عاجبك منظـرك دِه والناس تتفرج عليكي وانتِ جاعدة إكدة بالهدوم الي فيها دم

نظـرت لملابسـها بحـزن، دماؤوه عليها وكأنها وشـم وُضـع عليها للأبد لا تريده أن يزول، هـزت رأسها موافقـة علي مضض، ثم نهضـت متجـهة للخـارج بجوار محسن بخطي هادئـة، بينما أشـار له خاله ان يذهـب وهو سيظل في المستشفي لحين عودتهـم، مع بعض الرجال للحراسة .

**********

رواية مواجهة الأسد

كـانت رضوى تسعـي لإنهـاء كل شيئ بسرعة وعلي أكمل وجه، تـوضـب المنـزل بسرعة وبجهـد، ولم تشعر بالتعب ولو للحظة، لحظـات تعبها تذهب في ثوانٍ بمجرد أن تشعر انها قاربـت علي الانتهـاء، انها تفعل ذلك من اجلـه هو، انتهت من كل شيئ واشتـرت ما توجب شراؤوه ولم تجلس لثوانٍ، كانت نبيلة تجلس امام التلفـاز ببرود، لا تساعدها في حمل كرسي حتي، تعمـدت جعلها تفعل كل شيئ لتشفي غليلها منها، ولكن تشعر أنها هبطت لأخـر ارض بمجرد ان ترى تلك السعادة التي تشـع من أعيـن رضوى، وفي المساء كانت قد انتهت من كل شيئ، جلست علي الأريكة بجوارها، تتنفس الصعداء، بدى عليها الأرهـاق، جلست بهمدان تريـح جسدهـا، بينما كانت نبيلة تجـلس وقد بدى الحزن علي محياها بعض الشيئ، قطبـت رضوى جبينها بتعجب، لقد تغيـر حالها عن منذ ساعات تمامًا، لابـد أن هناك شيئً ما ومهم جدًا، هو ما استطـاع تغير حالها هكذا، قطعـت نبيلة شرودها بصوت قاتم :

_ شهد ومحسن وخالك محسن مش جايين

جحظـت عينيها بصدمة، ثم سألتها ببلاهـة :

_ لييية !!!

ضـربت علي فخذيـها بقوة الي حدًا ما وبغلب، وبدأت الشفقة والعطف يتغلغلوا لنبرتهـا القاسيـة ويسيطروا عليها رويدًا رويدًا وهي تجيبهـا :

_ شهد بنت خالتك يا حبت عيني مابتلحقش تفرح، كل ما تخرج من مشكلة تقع في الاكبر منها

بـلغ القلق ذروتـه لدى رضوى التي قطبت جبينها بخوف، ثم عادت تسألها بتوجس :

_ مالها شهد يا طنط ما تقولي ع طول

زمـت نبيلة شفتيهـا بحزن، ثم اردفت :

_ جوزها يا حبيبتي اتضرب بالنار وف المستشفي في العناية المركزة

شهقـت رضوى بصدمة، ووضعت يدها علي فاهها بحركة مباغته، تحاول السيطرة علي شهقاتها التي صدرت بصدمة رغمًا عنها، فهي تحب شهد وبشدة، قضت معها سنين من عمرها قبل ان ينتهوا من تعليمهـن، إن كان اى شخص مكانها كانت ستحزن عليها، ما بالك بصديقة طفولتها !!

استـدركت نفسها سريعًا، ثم نهضت وهي تقول لنبيلة متساءلة بجدية :

_ ماقالكيش انهي مستشفي وفين

رفعـت كتفيهـا بمعنى لا، ثم استطردت بصوت أجـش :

_ لا بس هما في البلد، يعني المستشفي في الاقصـر

ثم نظرت لها بطرف عينيها متساءلة بعدم فهم :

_ لية بتسألي يعني انتِ ؟

تابعت رضوى مسرعة دون تفكيـر :

_ هنروح لهم اكيد مش هاسيب شهد لوحدها دلوقتي

أجـفـلت نبيلة بتعجـب، ثم رفعت حاجبيها بدهشة قائلة :

_ بجد ، عايزة تروحى لشهد !!

اومـأت رضوى مؤكدة ببساطة، فيما قالت نبيلة بجديـة يشوبها الحزن :

_ تمام يبقي يلا، بس كتب الكتاب !؟

يبدو انها لن تكف عن إدهاشها اليوم، اولاً حزنها علي شهد، فقد كانت تعتقـد انها مثل الجـدار الصلب لا يؤثر به اى شيئ، ولكن اليوم ترى الجـدار يحزن ويُشفق ويتساءل عن ما يهمها هي !!

أبتسـمت نصف ابتسامة، ثم اراحت ظهرها للخلف وهي تتشـدق بــ :

_ لما هأقول لعبدالرحمن اكيد مش هيعارض يعني

اومـأت ” نبيلة ” بخفـة، ثم تمتمت بخفوت :

_ ربنا يسعـدك يا رضوى

لا لا هذه المرة سمعتهـا بالفعل، تدعو لها !!

أتـدعو لها حقًا من اعماقهـا الحنونـة، ام ان امنيتها فى ذاك الحنان اثـرت علي اذنيهـا، شعرت بقلبها يرفرف عاليـًا بسعادة، فقـالت بأبتسامة حالمة :

_ ياارب يااارب

اخلتطـت نظرات رضوى السعيدة مع نظرات نبيلة الشـاردة، استشعرت فيهم نبيلة مدى خطـأها في الحكم علي رضوى، بينما نهضت رضوى ومازالت غير مصدقـة لما يحدث، ثم استطردت بهدوء حذر :

_ انا هأروح اقول لعبدالرحمن، عقبال ما انتِ تكلمى خالو تقوليلي يحجز لنا

ثم استـدارت لتغادر لغرفتها علي عقبيهـا، تحاول إجبـار عقلها علي إستيعـاب ما حدث، علي استيعاب ان جلاده مْل من كثرة تعذيبها وقرر العفـوا ..

***********

رواية مواجهة الأسد

كـان الجـو مشحـون بالتـوتـر، والخوف سيد الأفـق في المطعم الذى سيصبح حتمًا بعد دقائق ساحة لمعركة نسائيـة داميـة، ولكن رد فعل الحاكم بينهم قد تكون ليست عادلة بعض الشيئ نسبـةً ” لمها ” ، التي اقسمت في هذه اللحظة انها ان امسكت بها لن تتركها إلا بعدما ترفع راية الأستسلام، كان عينـيها توحـي ببدأ إندلاع ثورة غاضبة تكاد تحرق من امامها، وتشجنت عضلات وجهها وهي تزمجر فيها غاضبـة :

_ نعمممم يا حبيبتي، زوجته المستقبلية ده اية، روحى لقطي اكل عيشك بعيد

كان أحمـد يضع رأسـه بين يـديه، لقد تدمر كل ما كان يفكر به، كل ما بنـاه هو في اخر الايام، هدمتـه ” رودينـا ” بلحظة واحدة، بينما نظرت لها ” رودينا ” نظرة ذات مغزى، ثم غمغمت بجـزع :

_ يـاآآى، You are not polite، بيئة اوى

إتسعـت حدقتـا عينيهـا وإشتعلت بالغضب، نهضت وهي تصيح فيها بحدة :

_ انا بردو الي مش مؤدبة يا زبالة، ولا انتِ الي جاية تحضني جوزى ادامى

_ What !!

فغرت شفتـاها هي الاخرى بصدمة، بينما كان احمد يدب علي رأسـه بغلب، بدأ عداد عمره بالعد الان، وإنفجـرت القنبلة التي اكملت علي تدمير كل شيئ، شعر بخطورة الموقف فنهض الان، ليجـد اعينيهم مصوبـة نحوه كالمدافع القاتلة، فسـارع بالتبرير مهدئــًا من روعهم :

_ اهـدى بس يا رودى وانا هأفهمك كل حاجة بس روحى دلوقتي

رمقتـه مها بنظرات حارقـة حادة، ليكمل مسرعًا :

_ انتِ كمان مش فاهمة حاجة يا مها

لم يعطى كلاً منهم الفرصـة للرد، واقترب من ” رودينـا ” يمسك يدهـا ليتجه للخارج بخطوات سريعة وهو يلعن اليوم الذى قرر فيه القدوم لهذا المطعم اللعيـن ..

بينما كانت مها تكاد تأكل اظافرها من الغيظ، احمر وجهها من كثرة احتقانـه معلنًا عدم قدرته علي تحمل هذا الكم من الغيظ والحقد اكثر من ذلك ..

وأحمد في الخارج يركب السيارة الخاصة بـ رودينـا وهو يحاول ترتيب الكلام الذى سيقوله لكلاهما الان، دبت ” رودينـا ” بقدمها علي ارض السيارة بقوة وهي تقول متزمـرة :

_ كنت سيبتني للبنت اللوكال دى

نظـر لها بنصـف عين، نظرة جعلتها تبدو حمراء من الأحراج، نظرة بمعني ” من كاد يفتك بمن ! ” نظرت للأسفل تحاول إستعادة جديتها وحدتها مرة اخرى، إلا انه لم يمهلها الفرصة حيث قال مسرعًا بتبرير :

_ رودى انتِ عارفة انى كنت متجوز ومخلف صح

اومـأت هي بغيظ مكبوت، في حين اكمل هو كمحاولة ليستعطفها :

_ طلبت اننا نتقابـل، واتكلمنا عشان اخد ابني، انا بعدت عن ابنى بما فيه الكفاية يا رودينا، فأتكلمنا وقررنا انى اخد ابنى

صمت برهه لينظر لها ليستشف رد فعلها، ليجدها منسجمة مع كلامه الكاذب، ليتابع بأسف مصطنـع :

_ والظاهر كدة انها فهمت اننا هانتجوز، لكن انا مش ممكن اتخلي عنك

بـدأت عصبيتها وقلقها يذهبوا ادراج الريـاح، استطـاع بمهارة إسكاتهـا، ليمسك بيدهـا بحنان زائـف، ثم قال بأبتسامة :

_ لسة زعلانة يا رودى ؟

هـزت رأسهـا نافيـة وقد بادلتـه الابتسامة، فشعر هو بالأنتصار، ها هى قد مرت اول مهمة، وما اصعب التالية .. !

هبطت برأسـه يطبـع قبلـه هادئة علي يدها واصابعها التي تخللت اصابعه الرجولية السمراء، ثم عاد ينظر لها مثبتًا انظاره في عينيها الزيتونية الخضراء، ثم اردف بصوت اشبـه للهمس :

_ معلش يا حبيبتي انا مضطر ارجـع لها، عشان متشكش بحاجة وترفض تديني ابني بحجة انى هاتجوز

مطت شفتيها بأعتراض شديد، ثم اومـأت دون تنظر له علي مضض، لتتسـع ابتسامته تدريجيًا، ثم قـال معتذرًا :

_ متزعليش يا رودى، هابقي اكلمك، باى

استـدار ليغـادر بعدما اغلق الباب وإتجه للداخل بسعادة داخلية تغمره، ليجد مها كما تركها بل اصبحت حالتها اسوء، اقترب منها ثم جلس علي الكرسي متنحنحًا بحـرج :

_ مها بجد انا مش عارف اعتذرلك ازاى، بس حقيقي انا اتفاجئت بيها

رفعت ” مها ” حاجبها الأيسـر ثم تابعت قائلة بإستنكـار :

_ اتفاجئت بيها !! لا والله

إرتسم علي ثغرها ابتسامة ساخرة، لتكمل بتهكم مريـر :

_ اتفاجئت بيها طب من حيث اية، من حيث انها موجودة ولا من حيث انها قالت انها مراتك المستقبلية !؟

إبتلـع غصة مريرة في حلقـه، ثم نظر له وقال مترجيـًا :

_ مها حبيبتي انتِ عارفة إنى كنت هاخطب، ودى رودينا الي كنت هاخطبها

لم تـُظهـر اى رد فعل واكتفت بالنظر للجهـة الاخرى، فأكمل هو بنفس النبرة :

_ مكنتش عايزها تفهم اننا اتجوزنا لانها لو فهمت هاتخلي والدتها تفض الشغل الي مع والداتي لانها بنت صاحبة امى

لم تكن ” مها ” مثل ” رودينـا ” بالمعنى الحرفى لتصدقه بهذه البساطة، كانت ترمقه بنظرات مكذبة وحانقـة، مما جعله يشعر بالإحبـاط من إكمال ما اراده، فأستطرد بيأس مصطنـع :

_ بردو مش مصدقانى ، للدرجة دى مابتثقيش فيا ابدًا

لم يجـد منها استجابـة ايضًا، وكأنه يخـدش في جـدار صلب لا يتأثـر، فقرر اخـراج اخر فرصة يمكن استسماحها بها، فقال بجدية :

_ مها انتِ سيبتيني عشان سبب كل ما بفتكره بأحس إني عندى نقص، بس كان حبي ليكي اكبر واقوى من اى شيئ، ناس كتير استحالة تسامح ان مراته تتطلق منه عشان تروح لحبيبها، بس انا قولت ربنا بيسامح وبيدى فرص، انا مش هسامح لية يعني ده انا عبـد

بالفعل سهـم حديثـه الخبيث اصاب الوتـر الحساس الذى اراده، نظرت اليه مها بحـزن، ثم زمت شفتيها بضيق طفولي قائلة :

_ خليني وراك لحد مانغرق سوا يا احمد

غمـز له بطـرف عينيه، ثم هتف بخبث دفين :

_ ولسة الي جـاى احلي يا زوجتى العزيزة

**********

رواية مواجهة الأسد

_ لا لا انا ايقنـت ان انا فقرى، او عمر ده محظوظ جدًا كمان

 

هتـف فـارس بهذه الجملة وهو يجلس في الحديقة المجاورة لقصـر ” حاتـم ” الخضراء ذات الزهور المتفتحه، تحت اضواء القمر الذى انار الأرض جميعها، يجلس علي كرسي خشبي متوسـط وامامه منضدة صغيرة عليها زجاجات من المشروبـات واثار السجائر، وعلي الجهة الاخرى يجلس حاتم والسيجار في يده كعادتـه، ويضع قدم فوق الاخرى بغروره وبروده المعتـاد، في حين فارس يشعر ان الشيطان تتراقص امامه علي خيط انتقامه السميـك، أحتقـن وجهه بغضب واضـح، وحاتم يستمع له بآذان صاغيـة مهتمة، قطـع الصمت الذى دام لثـوانٍ قائلاً ببرود :

_ معرفش، بس الظاهر فعلاً انك فقرى يا فارس

اومـأ فارس بغيظ، ثم كور قبضـة يـده حتي ظهرت مفاصله تحت يده السمراء، ليردف وعينيه ظهر فيها شعـاع غامض حاقد :

_ بس انا وهو والزمن طويل، انا مبزهش

رفـع حاتم حاجبه الأيسر ثم قال بسخرية :

_ لا ماهو واضح انك مابتزهقش يا فارس

ثم صمت لبرهه ينفث الدخان، ليتـابع بجدية :

_ انا مش قولتلك ان عمر مش حد سهل، سيبوا بقا وفكك منه

هـز فارس رأسه نافيًا، ثم جز علي اسنانه بغيظ، وراح يفكر بخبث، ثم استطرد بنبرة غليظة :

_ انا اصلاً مش عارف انت ازاى سايبه كدة، ده مابيشتغلش بقاله شهرين تقريبا

رفع حاتم كتفـه بلامبالاة، ونظر امامه وهو يتشـدق بغموض :

_ انا سايبه شوية، بريك يعني

زفـر فارس بقوة، ثم اراح ظهره للخلف قائلاً بنبرة لاذعة :

_ لا لا فعلاً مش فاهم، ده تقريبًا تالت واحد ابعته له وبردو يفشل

اجابه حاتم بصوت قاتم :

_ مش ضربه ودخل المستشفي ؟

تأفف فـارس بضيق، كلما تذكر يجتاحه شعور بالغيظ والحنـق، وكأن شخصًا ما يضربه بمطرقة في منتصف رأسه كل دقيقتيـن، قال بنـزق :

_ بس لسة عايش وهايطلع صاغ سليم، وخاله ده حط حراسة عند البيت وعند المستشفي يعني الوضع زاد سوءً

قهقه حاتم عاليًا، فبكل مرة يكتشف ان عمر يتفـوق بمراحـل عن فارس، ثم غمغم بغرور :

_ انا نظرتى ما تخيبش ابدًا

قطب ” فارس ” جبينـه متساءلاً :

_ مش فاهم يعني قصدك اية يا ريس ؟

لم يستطـع حاتم اجابتـه حيث سمعوا صوت سيارة الشرطة يدوى، وما لبث ان مرت ثوانٍ فقط حتي وجدوا الشرطة من حولهم، والضابط ينظر لهم بتشفي قائلاً :

_ والله وجه يووومك يا حاتم بيه

 

للكاتبة رحمة سيد

***********

 

 

رواية مواجهة الأسد

الفصل التاسع والخمسون ( الجزء الثانى ) :

 

إتسـعت حدقتـا عينيه بصدمة بدت جلية عليه، وسقـط قلبـه ارضـًا من الخوف، هرب الدماء من وجهه ليعطيه مظهر مثير للشفقة، شعر ان الدنيـا تدور من حولـه، سقطـت كل الحصون الباردة الجامدة التي يبنيها دائمـًا في حديثه وتعابير وجهه، إنقلب المنضدة عليه كما يقولون واصبح بدلاً من الحاكم المحكوم عليه، تجسـد امامه كل الفسـاد الذى سببه، وكل من قتلهم، وكأنهم يعودوا لينتقموا علي هيئة ذاك الضابط، بينما كان فـارس قد تبلد جسده مكان، كان كالطفل الذى يصعب عليه إستيعاب قدوم الشرطة والسبب مؤكد ومعروف، هتف الضابط امرًا للعساكر من حوله :

_ فتشوا القصر، وانتم اقبضوا عليه

افـاق حاتم من صدمته سريعًا، ليقول بغضب مصطنـع :

_ انت مجنوون، يقبضوا علي مين انت مش عارف انا ميين !؟

اومـأ الضابط بلامبالاة، ثم اجابه ببرود :

_ ايوة طبعًا عارف، حاتم مهران، اكبر تاجر مخدرات وقتال قتلة في تاريخ البلد

حـاول الحفاظ علي ثباتـه قدر الإمكان، قبل ان يخدعه ثباته وتنهار حصونه، فتابع بجديــة :

_ عندك دليل علي كلامك ده ؟

اومـأ مؤكدًا، ثم استطردت بخبث :

_ يووووه، ده انا عندى دلائل مش دليل واحد بس يا حاتم باشا

إبتلع ” حاتم ” ريقه بإزدراء، قبل أن يقول متساءلاً بتوجـس :

_ دلائل اية دى الي عندك ؟

زفـر الضابط بضيق مصطنـع، بينما هو في الحقيقة يشعر بالتسلية، وكأنه يلعب احدى الالعاب القتالية الشيقـة، ثم رفع يده يشير له وهو يقول :

_ بص الظاهر ان حبايبك كتيير، حد بلغنا بمكان البضاعـة ولاقيناها، ده غير إن لحد دلوقتي اترفع ضدك 3 قضايا، بمجرد ما اتعرف اننا رايحين نقبض عليك، ده غير الفيديوهات الي اتقدمت ضدك وانت بتأمر رجالة من رجالتك بقتل ناس

صمت لبرهه يتفحص ملامحه قبل ان يردف بصوت اشبه لفحيح الأفعي :

_ يعني كدة يا باشا اضمنلك الاعدام وبجدارة

كان كلاً من ” حاتم ” و” فارس” في عالم اخر، لم يدروا أن كل هذا الشر يحيط بهم كالبحر الغدار، ينتظر غفوة منهم حتي يغرقهم دون رحمة !!

اقتـرب بعض العساكر يحيطـون بهم ثم اخرجوا السلاسل الحديدية يضعونها في يديهم بهدوء، ثم اتجهوا جميعهم للخارج وسط زهـول حراس حاتم، فيما سيطرت حالة من الهلع علي فارس الذى اصبح يصيح فيهم بحدة :

_ سيبونى انتم واخدنى ع فين، سيبونى انا مليش دعوة

رمقـه الضابط بنظرات باردة قبل ان يقول :

_ هو انا مقولتلكش ان احنا عرفنا انك دراعه اليمين، يا .. يا ابو الفراس

هـز رأسه نافيًا بسرعة، ثم وجه نظره لحاتم الذى بدى الشرود عليه، وزمجر فيه ولأول مرة غاضبـًا :

_ اية ده انت هتسيبهم يا حاتم هتسيبهم ياخدونا كدة

لم يـكن حاتم ليصمت هكذا إلا انه يعلم أنه لم يعد لديه اى شخص يستند عليه سوى فارس الذى اصطحبته الشرطة معه، و.. وعمر، هل من امل في مساندة عمر له !؟

نظـر لفارس بحدة ليصمت، إلا انه اكمل بغيظ :

_ لا ماهو انا مش هقع لوحدى يا باشا

جـز حاتم علي اسنانه كاملة بغيظ، لا يريـده أن يضيـع اخر امل في إنقاذهم، ولكن فارس لم يأبـه وهو يتابع :

_ انا هأقولهم، ماهو انا مش هروح انا كبش فدى يعني

**********

رواية مواجهة الأسد

وصلـت شهد مع محسن الي المنزل، كانت في حالة يرثي لها، وكأنها تقريبًا لا تشعر بما حولها، تسير كالمصيرة لا مخيرة، تتنفـس فقط لتكمل هذه الحياة التي تعاندها دائمًا، لم تتفوه طول الطريق ببت كلمة، كان وجهها الشاحب وعينيها الحمراء كافية للتعبير عن مدى حزنها وكسرتها، بالرغم من انه علي قيد الحياة إلا انه لم يصبح معها مثل سابق، تنهـدت بيأس وهي تتجه للداخل، ثم اتجهت لغرفتها علي الفور، لم تتحدث مع اى شخص، وبالطبع هم لم يجبروها علي اى شيئ الان، اغلقت باب الغرفة خلفها بهدوء ثم إرتمت علي الفـراش تبكـي بحـدة، تمسك بالوسـادة تدسها بجوار انفهـا لتشتم رائحتـه التي اشتاقـت لها، تشعر ان عينيها جفت من كثرة البكاء، همسـت بإشتياق :

_ وحشتني اوووى يا عمر، اول مرة تقعد يوم كامل بعيد عني

اصدرت انينـًا خافتًا بألم، ثم وضعت يدها بجوار بطنها تتحسسها بأبتسامة هادئة :

_ كنت متأكدة ان ربنا مش هايخيب ظنى، ومش هيخليك يتيم من قبل ما تيجي

اومـأت بخفة ومن ثم نهضـت واتجهت لخزانتها واخرجت منها تيشرت طويل يصل للركبة وبنطال جينـز، ثم اتجهت للمرحاض لتغتسل من اثار دماء زوجها الحبيب، وتوضأت لتصلي شكر لله بعد قليل انتهت ثم خرجت مسرعة للعودة مرة اخرى، مرتدية ملابسها ثم جففت شعرها، وعقصتـه كذيل حصـان، ثم اخرجت طرحة صغيرة من خزانتها وبدأت تصلي، تدعو الله بخشوع ان يخرج عمر من محنته سالمًا معافيًا، انتهت من صلاتها ثم خرجت من الغرفة واتجهت للأسفل لتجد محسن يجلس بجوار زوجته بهدوء ينتظرها، وصلت امامهم، لتقول زوجة محسن بعطـف :

_ معلشي يا حبيبتي، الحمدلله انها جات علي كد إكدة، ربنا يجومهولك بالسلامة

تمتمت بخفـوت مرددة :

_ امين يارب

نهض محسن ثم سـار بجوارها دون كلمة، حتي وصلوا امام المنزل من الخارج، وقفت شهد متعجبة من تواجد الحرس امام باب المنزل، فعقدت حاجبيها متساءلة بحيـرة :

_ لية الحراس دول، انا وداخلة ماخدتش بالي منهم

زفـر محسن بضيق، ثم اجابها بهدوء حذر :

_ دول خالك جابهم عشان يحرسوا البيت

اومـأت ثم قـالت ببلاهة :

_ منا عارفة بس لية جابهم يعني !؟

اردف ” محسن ” بجديـة :

_ نبجي نتكلم بعدين يا شهد مش وجته دلوك

هـزت رأسهـا نافيـًة بإصرار، واجفلت بتعجب ثم قالت متساءلة ببعضًا من الصدمة :

_ دول عشان الناس الي ضربوا عمر

اومأت محسن دون ان يـرد، في استطـردت هي بحنق :

_ انتم عارفين مين الي عمل كدة يا محسن صح ؟!

تقـدم محسن للأمام بخطى سريعة، ثم قـال بنبرة غليظة :

_ واحنا هانعرف منين يعني، ده احتياط بس يا شهد

ركضـت خلفـه تغمغم ببعض الكلمات الحانقـة، ثم ركبـوا السيارة سويـًا، ليدير محسن المقود، ونظر لها جادًا :

_ هوصلك المستشفي واروح احجز لرضوى بت خالتك وخالتك عشان هيجوا بكرة الصبح

اومـأت شهد بأبتسامة مشتاقة، اخذها حنينهـا لذكرى صديقة طفولتها التي لم تعرف عنها شيئ منذ مدة .

*********

رواية مواجهة الأسد

كانت رضـوى جالسة علي فراشهـا بهدوء، وعينيها توحى بالحزن علي الفتاة التي اعتبرتها شقيقتها يومًا، تشعـر انها تود احتضانها وبشدة، تنهدت تنهيدة طويلة حارة ثم امسكت بهاتفها الموضوع بجوارها واتصلت بعبدالرحمن، ثم وضعت الهاتف علي اذنهـا منتظرة الرد، وبعد ثوانٍ اتاها صوت عبدالرحمن الفرح قائلاً :

_ يااه، رضوى بتتصل بيا مرة واحدة

ضحكـت بخفة، ومن ثم اجابته بهدوء :

_ اه عادى يعني

_ لا لا ده احنا نولنا الشرف خلاص

_ مش للدرجة يعني

_ هههههه ماشي يا زوجتى العزيزة

_ لسة

_ لسة اية ؟

_ لسة مابقتش زوجتك

_ كلها بكرة بس وتبقي زوجتي وزوجتى ونص كمان

_ ماهو انا متصلة بيك عشان كدة

_ خير يا رضوى في اية

_ احنا مضطرين نأجل كتب الكتاب

_ اية ، لية يا رضوى قلقتيني حصل حاجة عندك ولا اية ؟

_ لا لا بس شهد بنت خالتي وصديقتي الصدوقة، جوزها في المستشفي وتعبان جدًا وكان مضروب بالرصاص، وانا كنت عايزة اروح لها انا وماما

_ اه اكيد تمام

_ شكرًا يا عبدالرحمن

_ شكرًا علي اية بس، وممكن اجى معاكم كمان عشان متبقوش لوحدكم

_ لا لا مش عايزة اتعبك

_ تتعبيني اية بس، انتِ دلوقتي ف حكم مراتى، وانا بصراحة صعيدى ومابخليش مراتى تروح حته من غيرى

_ احم احم ، طب تمام ماشي

_ ماشي يا حبيبتي، انتم حجزتوا ؟

_ ايوة خالو قال هيحجز من هناك، وهنمشي النهاردة بليل خالص يعني تقريبًا الساعة 12 او 1 كدة

_ طيب، هحاول احجز معاكم، او نروح بالعربية بتاعتي

_ شوف الي يريحك

_ تمام هأكلمك تاني

_ ماشي سلام

_ مع السلامة يا ملكتي

رواية مواجهة الأسد

أغلقـت وهي تتنهـد من اعماقها، تشعر ان قلبها يكاد يتوقف من كثرة دقاته بسرعة، السعادة والراحة تجتاحها بمجرد الحديث، يذهب حزنها ادراج الرياح بمجرد ان تسمع صوته وكأنهم يهابـونه وبشدة ..

نهضت متجهة للخارج بخطى ثابتـة، لم تجد ” نبيلة ” في الخارج ورأت الضوء ينير غرفتها فعلمت انها بهـا، اتجهت لها ثم طرقت الباب بهدوء لتأذن لها بالدخول، دلفت لتجد الحقيبة الجلدية السوداء، نظرت له قائلة بتعجب من لهفتها :

_ اية ده انتِ خلصتي شنطتك !؟

اومـأت نبيلة بهدوء، ثم جلست علي الفراش بجوارها، لتتابع بأبتسامة :

_ اصلك متعرفيش انا بحب شهد دى ازاى، دى عندى زى مها واكتر كمان

شعـرت رضوى بغصة في حلقها، شعرت انها هي المنبوذة وسطهم، هي من كانت تكرهها فقط، ابتسمت بحزن رغمًا عنها، وكأن نبيلة شعرت بها لتقترب منها وتربت علي كتفهـا بحنو وهى تقول :

_ وانتِ طبعًا خلاص زى بنتى يا حبيبتي

من المؤكـد ان السعادة تطرق بابها اليوم عن قصد، بعدما قررت اعطاءها بعضًا من هذه السعادة التي لطالما حُرمت منها، عبـرت عينيها عن تلك السعـادة التي تتقافز داخلها، لتقترب منها نبيلة ببطئ وتحتضنها بحنان، حنان لم يسبق لها ان شعرت به لرضوى، حنان احكمته داخلها بقوة واغلقت عليه منذ زمن، ولكن الان لا تعرف ما يقودها .. قد يكون السبب مجهول .

***********

وصلت شهد امام المستشفي، واتجه محسن عائدًا مرة اخرى ليحجز لرضوى و” نبيلة ” بينما كانت شهد تسير بخطوات اشبه للركض، تشعر ان حنينها له هو من يقودها، تلهث اثر انفعالاتها، وصلت امام غرفة العناية المركزة، لتجد خالها ونادى كما تركتهم، تقدمت منهم تسأل ” مسعد ” بلهفة واضحة :

_ الدكتور ماقالكوش اى حاجة يا خالي ؟

هـز رأسه نافيًا ثم اجابها بجدية :

_ لا ماجالشي حاجة تاني

اومـأت بهدوء ثم اقتـربت من الباب تستند علي الزجـاج بحزن، تطالع الهيئته التي كرهتها فيه، تشعر انها تود اختراق كل هذه الحواجز وتطير كالفراشة لتحلق فوقه وتحتضنه بأريحية، تنهدت قبل ان تعود لمكانها مرة اخرى، وتكاد تشعر ان صبرها نفذ، وجدت الممرضة تدلف، ظلت تنظر للباب، وبعد دقائق وجدتها تخرج وهي تنادى بصوتٍ عالٍ :

_ دكتور يا دكتور

اصابهـا الهلع وانقبض قلبها بخوف، نهضت بسرعة واتجهت لها متساءلة بتوجس :

_ في اية ، عمر حصله حاجة ؟

هـزت رأسها نافيـة ثم قالت مسرعة :

_ مش عارفة مش عارفة

ثم ركضت بسرعة، تاركـة شهد تشعر انها تكاد تختنق من كثرة الخوف، ومن دون تردد دلفت الي الداخل بسرعة، لتجد الجهاز ينذر بسرعة، وعمر حالته غير مستقرة، اجفلت بخوف، وتلقلقت الدموع في اعينهـا البنيـة، لتهمس بألم :

_ عمر

دلف الطبيب ثم اشار لها بسرعة قائلاً بصوا امر :

_ اخرجى يا مدام لو سمحتي

وجدت نادى يسحبها من يدها بهدوء للخارج، ونظراتها متعلقة بعمر الذى بدى كالجثة الهامدة، خرجت فأغلقت الممرضة الباب، ظلت تفرك اصابعها بتوتر وقلق جامح، وهي تسير ذهابًا وايابًا في الممر، دقائق مروا عليها كالدهر، تشعر ان احدًا ما اصابها هي هذه المرة، عاد القلق يجتاحها مرة اخرى بل اصبح مضاعف ..

انتهت دقائق الانتظـار وخرج الطبيب من الغرفة، لتركض بأتجاهه ثم سألته بخوف :

_ في اية يا دكتور عمر ماله

هز رأسه نافيًا ثم اجابها بهدوء حذر :

_ متقلقيش دى حالة حصلت له فجاة، لكن هو تقريبًا كدة بيبتدى يستعيد وعيه

استـردت روحها مرة اخرى، عادت المياة لمجاريها ثانيـًا، ارتوت من ظمأها وخوفها، ومن دون وعى سألته :

_ طب ممكن اشوف يا دكتور ؟

اشـار لها بتردد :

_ ولانى شايفك خايفة جدًا، هدخلك بس خمس دقايق وياريت متعمليش ازعاج

ثم اشار للمرضة واكمل بجدية :

_ هي هتديكي اللبس الي مفروض تلبسيه

اومـأت شهد موافقة بسعادة انارت وجهها الذى شحـب، بدى الفارق بوضوح، سارت مع الممرضة وارتدت كل ما يجب ارتداؤوه، ثم اتجهت لغرفة العناية المركزة وهي تكاد تسير علي اطراف اصابعها، وقفت تتأمله عن قـرب، تشبع عينيها في التطلع لملامحه الرجولية الجذابة، تهدأ كم المشاعر التي اجتاحتها، جلست علي الكرسي بجواره، ثم امسكت بكفه، هبطت دموعها دون ارادة منها، كأنها لن تنتظر الاذن بعد الان، فهي اصبحت بجوار معشوقها، غمغمت بحزن تجلجل في نبرتها المختنقة :

_ علي فكرة انت عمرك مابعدت عنى كدة من ساعة ما عرفتك، ومش متعودة عليك كدة، قوم بقا انا تعبت والله

وضعت رأسها علي يده برفق تبكي، تبكي بحدة، تحاول اخراج كل الحزن من داخلها علي هيئة تلك الدموع، فجأة سمعت صوته الذي اشتاقت له يقول بوهن :

_ انتِ مفكرانى هأسيبك تربي حزمبل لوحدك ولا اية يا شهدى

 

رواية مواجهة الأسد

**************

كان كلاً من حاتم وفارس يجلسـون امام مكتب الضابط، الذى كان يجلس علي الكرسي الخاص به علي مكتبه ببرود المعتاد منذ ان رآهـم، وكأنه يأخذ بثأر كل من اذوهم بجرحه لكرامته، وخاصةً انه يعلم ان حاتم يتكبر ويكره ان يتكبر عليه اى شخص، كان حاتم وجه واجم شارد، يصعب التعبير عن ما يشعر به الان دون ان يبوح به، وفارس اقل ما يقال عنه انه قط خائف مم براثن الاسد، بالفعل هو قط خائف من العدالة والمحاكمة التي تكاد توديه الي .. المـوت

هتف حاتم بصوت هادئ ولكنه غامض :

_ انا من حقي اتصل بالمحامى بتاعي

اومـأ الضابط بسخرية، ثم اشار علي الهاتف قائلاً ببرود ثلجي :

_ ايوة طبعًا، احنا حقانين جدًا

ثم اقترب منه ونظر له بطرف عينيه هامسًا بخبث :

_ بس مش لما يكون في حد.برة ينفع يساعدك

ابتلع حاتم ريقه بإزدراء ثم سأله بتوتر :

_ قصدك اية يعني

مط شفتيـه بضيق مصطنع، ثم قال :

_ قصدى ان تقريبًا كدة الدايرة بتاعتك كلها هتلاقيها في التخشيبة معاك جوة

هنا صاح فارس بأرتباك بدى علي محياه :

_ انا ايش دخلنى انا يعني

نظر له الضابط بحدة، ثم زمجر فيه غاضبًا :

_ منا قولت لك ان في دليل ضدك انت كمان، اخرسوا بقا عشان هنبدا في التحقيق

ان كان سيقـع فلن يقع وحده ابدًا ويتركه سعيدًا بعد كل هذا، ان كان رجاله فشلوا في التخلص منه فالشرطة لن تفشل، وبالقانون ..

قال فارس لنفسه هكذا، قبل ان يقول موجهًا حديثه للضابط :

_ طب انا عايز اعترف علي واحد شريكنا اسمه عمر مالك ….. !!

 

للكاتبة رحمة سيد

**********

 

 

رواية مواجهة الأسد

الفصل الستـون والأخير ( الجزء الاول ) :

 

قهقهـه الضابـط عاليًا وبشدة، كأنه قال له مزحة، مما جعل الدم يتصاعد في عروقهم بغيظ، هدأ قليلاً ونظر لفـارس ثم رفع حاجبه الأيسر وقال مصطنعًا الجدية :

_ انت متأكد من كلامك ؟

اومـأ فارس بتأكيد، ثم تابع بثقة زائفة :

_ ايوة، واكيد لاقيتوا دليل عليه هو كمان

هـز الضابط رأسه نافيًا، ثم اردف متهكمًا :

_ هو انت متعرفش أن استاذ عمر مالك هو الي مبلـغ اصلاً !؟

جحـظت عينيـه، لم يتخيـل أن الأسد يهدأ في عرينـه ويخطط لتلك المواجهة الحاسمة، فكر في الكثير والكثير، ولكنه لم يتخيل أن عمر سيودى بحاتم للتهلكة، حاول إخراج الكلمات من بين شفتيـه المرتعشة اثر الصدمة قائلاً :

_ ا آآ ازاى يـ يعني !!

نظر الضابط لحاتم الذى كان يجلس صامت.. شارد.. ساكن، ولكن هدوءه مخيف، اشبه بهدوء ما قبل العاصفة، ثم قال بتوضيح بارد :

_ بص يا سيدى رغم ان ده مش المفروض تعرفه لكن بما انك غالي عليا هاعرفك

صمت لبرهه يستعـد لقذفهم بما سيصدمهم صدمة العمر، ثم تـابع بجدية :

_ عمر مالك يا سيدى الظاهر انه كان بيخطط لده من بدرى جدًا، او يمكن ماكنش بيخطط بس كان بيسجل لكم كل حاجة، تقريبًا كدة عشان لو غدرتوا بيه يبقي مأمن نفسه، في طرف تانى متعاون معاه، لكن مش هاقدر اقولك او اوضح عنه، لكن الظاهر ان حبايب حاتم باشا كتير، ولما الي ضرب عمر مالك بالنار

وشدد علي جملتـه الأخيـرة بدقـة وهو يرمق فارس الذى بدأ يرتبك بنظرات ذات معني، ثم اكمل :

_ الطرف التاني ده راح وسلم كل الدلائل الي ضدكم والي هي عمر مالك ملهوش يد فيها اصلاً، الفيديوهات بتجمعك انت وحاتم وانتم بتسلموا البضاعة، بتأمروا بقتل حد، كدة يعني انتم ادرى بشغلكم، ده غير القضايا الي اترفعت ضدكم وبشهادة الشهود، يعني من الاخر انتم كان مجهزلكم الوقعة دى من بدرى

كان فـارس مذهول مما يسمعه، دقـات قلبه توحى بالخطر، منذرة انها ستتوقف حتمًا من الخوف، نعم .. الخوف من الاعدام !!

بينما تأفف الضابط وهو يتشدق بـتهكم بـ :

_ حتى لو كلامك صح وعمر الي هو اصلا شاهد ملك ف القضية شريكم، يبقي هو سلمكم وطلع منها، والقانون لا يحمي المغفلين

هنا نطـق حاتم وقد نفذ صبره وقال بحده :

_ ازاى، انا بأعترف علي عمر ده انه معانا

اجابه الضابط برسميـة :

_ والله يا فندم الادلة الي معايا ما بتدينش استاذ عمر مالك ابدًا، بل بالعكس ده شهد عليكم وهو الي قالنا ع مكان تخزين البضاعة، يعني لو كلامك صح انا عايز ادلة وشهود، القانون مش عواطف

أطـلق حاتـم زافـرة قوية وعاد يفكر في حل لهذه المعضلة، ولكنه فشل فشل زريع في ايجاد اى حل، وجد كل الابواب مغلقة في وجهه، كل نفوذه وسلطاته وامواله لن تنفعه الان !!

قال الضابط بجدية :

_ يعني انتم اعترفتوا انكم فعلا كنتم بتتاجروا ف المخدرات وقتل و .. الخ

هـز فارس رأسه نافيًا بسرعة ثم قال بهلع :

_ لا لا اعترفت اية انا معرفش حاجة

تقوس فمه بأبتسامة ساخرة، وهو يقول متساءلاً بتهكم :

_ انت مش لسة من دقيقتين قايل انك بتعترف ع عمر شريككم، يعني بتعترف ع نفسك قبله من دون قصد

خبـط جبينـه بطرف يده بصدمة، بالفعل خانـه لسانه واعترف علي نفسه، من دون اذنـه صرح بما لا يجب ان يصرح به، ذهب لحبل المشنقة بقدمـه !!

تنحنح الضابط بجديـة معتادة موجهًا حديثه للكاتب بجواره :

_ اكتب يابني، قررنا نحن وكيل النيابة / اكمل زهير، بحبس كلا من المتهم حاتم مهران، وفارس كمال مهران 15 يوم علي زمة التحقيق مع مراعاة التجديد .

**********

أسـدل الليل ستـائـره، وذهبت الشمـس علي وعد بأن تشرق مجددًا، وحـل القمـر مكانها لينيـر الأجواء بضوءه السـاطـع، الذى يدوى علي جميـع المناطق يعطيها مظهر جذاب، انتهـت رضوى ونبيلة من اعداد كل شيئ، كانوا يجلسـوا في الصالة في انتظـار قدوم عبدالرحمن الذى سيأخذهم الي المحطة ويسافـر معهم، ومما ادهش رضوى اكثر ان نبيلة لم تعارض عندما علمت بقدوم عبدالرحمن معهم كعادتها، لم تصيح بها وتنهرها ككل مرة، بل وافقت بصدر رحب، من يراها يعتقد انها تبدلت كليًا، وكأنها أُهلكت من كثرة الصراخ والغضب، وقررت تغيير تعابير وجهها الحادة ولو لفترة قليلاً، ولكنها حقــًا لم تشعر يومًا انها اخطـأت في الحكم علي رضوى، هى شخصيًا حتى الان لم تعرف ما سر تغيير شعورها المفاجئ تجاه رضوى، لم تتخيل يومًا انها يمكن أن تكـن لها شيئً سوى الكره، ولكن اليوم، مشاعر جديدة بنظرة مختلفة تطرق بابها لتحل محلها في قلبها تجاه تلك المسكينة، تشعر لو انها تعوضهـا بدلاً من مهـا .. وآآه من مها التي اشتاقت لها ولكن كبرياؤوها يمنعها وبشدة من زيارتهـا، زيارتها .. !!

اى زيـارة وهي خرجت من تلك القضيـة وذهبت مع زوجها دون الرجوع اليهـا ركضًا، نعم .. نبيلة كانت تعلم كل شيئ عن مها، كانت تسأل المحامى الذى وكلته رضوى لمها عما حدث، شعور الأمومـة وعطفها لم يسمحوا لها ان تبتعد عنها للابد كما ارادت، تغلبت تلك المشاعر الحانيـة علي غضبها وثوارانها لتغلق عليه جدران متينـة صلبـة، ولو مؤقتًا لحين الاطمئنـان علي ابنتهـا الوحيدة، كانت لا تريد ان تصبح الجـلاد والحنونة في آن واحد !! ..

قطـع ذلك الصمت الذى دوى صوت سيف الطفولى وهو يقـول بتساؤل رقيق :

_ احنا رايحين فين يا خالتو رضوى

استـدركت رضوى نفسها سريعًا، ثم مدت يدها تحيط كتفيـه برقة، ثم اجابته بهدوء حذر :

_ مسافرين يا حبيبي

زم شفتيـه بضيق طفولى، ثم زمجر قائلاً :

_ هانروح من غير ماما يعني !؟

صمتت لبرهـه، فهي نفسها لا تعرف اجابة ذاك السؤال، السؤال الذى تسأله لنفسها مرارًا وتكرارًا، الي متى سيذهبوا بدون مها؟! ، تشعـر ان بداخلها جزء مفقود يجب البحث عنه، وان كان ذاك الجزء يحدث لها صخب وازعاج .. وبعض الألم، ولكنه يظل جزء منها، لا تقدر علي التخلي عنه دون ارادة منهـا ..

إبتلعت تلك الغصة المريرة في حلقها، ورسمـت ابتسامة صفراء لتخفي ذاك العبوس الذى كاد يظهر بوضوح علي محياها، ثم اردفـت بجدية :

_ حبيبي ماما مستحيل تسيبك لوحدك، هي بس بتعمل حاجات عشان تيجي تاخد سيف معاها بس

كـانت ” نبيلة ” تتابعهم بأعينهـا، وكأن عينيها تجبرها علي النظر لهم لتؤكد لها ان رضوى لم تكن يومًا سيئة، وانها هي من كانت سيئة معها، من اجل شعور الغيظ بالفطرة من درتهـا !!

سمعـوا طرقـات هادئة علي الباب، لتنهض رضوى وتتجه للخارج بخطى هادئة، ثم فتحت الباب بأبتسامة علي اعتقاد منها ان هذا عبدالرحمن، إلا انها اختفت تدريجيًا وهي ترى مها بجوار أحمد، لم تشعر انه حان وقت تلك المواجهة الان !!

بـدت مها مشرقـة، ملامحها تشربتها الفرحة، اشبعت شعورها بالأشتيـاق من اول فرد من تلك العائلة، لأول مرة تشعر انها تحب رضوى بصدق، ابتسمت بسعادة، ثم تنحنحت قائلة بحرج :

_ رضوى، ازيك وحشانى اوووى

كلماتهـا كافيـة لخروج رضوى السريع من صدمتهـا، جعلتهـا تستدرك نفسها علي شعور الاشتياق لاختها الوحيـدة، بدأ الجزء المفقود بداخلها يعود رويدًا رويدًا، لم تمنع مها نفسها من الاقتـراب منها، ثم احتضنتها بقوة، طبقت علي ظهرها تتأكد انها اصبحت مع اختها الوحيدة، ولم تعارض رضوى علي احتضانها، ثم همست بما رد لها روحها المحرجة بجوار اذنيها :

_ وانتِ كمان وحشتيني اوى يا اختى، اسفة اوى مكنتش بزورك بس حصلت حاجات كتير منعتنى والله

إبتعدت عنها مها بهدوء، كلما تمعنت النظر لها اكتشفت الفـارق الشاسع بينها وبين رضوى، فهي مسبقًا لو كانت مكانها لكانت طردتها سريعًا دون اى رحمة، هزت رأسها نافية بأبتسامة حانيـة :

_ ولا يهمك يا حبيبتي، كفاية المحامى الي عينتيه لي

ابتعدت رضوى عن الباب قليلاً ثم اشـارت لهم وقالت بهدوء :

_ طب اتفضلوا ادخلوا سيف وماما جوة

” سيف ” .. مجرد ذكر اسمـه واعطاؤوهم الاذن جعلها تكاد تركض كالأطفال لتلحق بأحدى الهدايا التي جلبها لها والدها، ولكنه حقًا هدية اهداها لها الله يتبعها احمد، وجدوا سيف يجلس علي الاريكة بجوار نبيلة، من دون سابق انذار تقدمت بسرعة واحتضنته بلهفة، بادلها هو العناق بفرح طفولى، يشاهدهم احمد بحماس، واخيرًا التم شمل عائلتـه، فيما كانت نبيلة تتصنع الصدمة، كانت متوقعة زيارتها تلك، ولكن غضبها يمنعها عن ركضها هي واحتضان مها، اخذت مها تحتضن كل جزء فيه بشوق، وتلقلقت الدموع في عينيها، دموع بسبب غباءها اللانهائى علي بعدها بإرادتها سابقًا عن ذاك الطفل الملائكى، هنا تنحنحت نبيلة وهي تصيح بغضب :

_ اية دة، انتم داخلين فين، وازاى تدخلي كدة من غير احم ولا دستور

ابتعدت مها عن سيف بهدوء، ثم اطرقت رأسها ارضًا بخزى، فيما قال احمد بجدية :

_ معلش، حضرتك عارفة اد اية مها كانت مشتاقة لسيف

إرتسمت ابتسامة ساخرة علي ثغـر نبيلة، ثم رفعت حاجبيها قائلة بأستنكار :

_ والله .. طب الحمدلله

لم تتعجـب مها ولم تندهـش، اكتفت بالصمت، ولكن نظرات احمد الموجهه نحوها ذكرتها بما يجب عليها فعله، رفعت ناظريها لتواجه نظرات نبيلة الحادة، فقالت مسرعة بأسف :

_ ماما انا عارفة انك مستحيل تسامحيني بعد كل الي عملته، لكن انا عشمانة في حنانك وقلب الام

قالت نبيلة بصوت قاتم من دون تفكير :

_ عشمانة ع اية ولا اية ولا اية ، علي ثقتي فيكي الي ضيعتيها، ولا ثقة احمد فيكي وفي تربيتنا وكونى مش قادرة ارفع عيني فيه، ولا بعدك عن ابنك، ولا خيانتك، ولا محاولة قتلك لحبيب القلب

اغمضت مها عينيها بألم، تشعر بحجم الفجوى التي اصبحت بينها وبينهم بسبب كل ما حدث، وهي تعلم جيدًا انها غاضبة وبشدة، ولكن ما كانت لا تعرفه ان تتقبلها رضوى بشوق ووالدتها لا !!

حاول احمد تخفيف حدة الموقف، فقال بهدوء ورقة :

_ احم، ممكن اقول حاجة، مها كان شيطانها مأثر عليها، واتغيرت وعرفت غلطها وتقصيرها في حق كل واحد في حياتها، واتكلمنا انا وهى كتير، وانا الجزء الي بيحبها جوايا قدر يتغلب علي الجزء الغضبان منها، وانا متأكد انك هاتعملي كدة

هزت رأسها نافية بسخرية واضحة، ومن ثم تابعت بصوت اجش :

_ انت الزمن قدر يداوى جرحك وغضبك، لكن انا امها، خانت تربيتي وتعبي عليها مش مجرد ثقة، انا المفروض اكون اقرب واحدة لها مش ابعد واحدة

غمغمت مها بصوت اشـبه للبكاء :

_ انا بجد اسفة اوووى اووى، سامحيني ارجوكِ يا امى

مطت شفتيها بعدم رضا، ثم قالت بتهكم :

_ كويس انك افتكرتى ان ليكي ام

تنهـدت مها بقوة، قبل ان تقول بصوت يكاد مسموع :

_ ماما، انا واحمد رجعنا لبعض

هـزت رأسها بسخرية، ثم استطردت بجزع :

_ بقيت اتوقع منك اى حاجة، بس كويس انه قدر يسامحك هو ع الاقل

في هذه اللحظة سمعوا صوت طرقات علي الباب، فسارت رضوى مسرعة لتفتح، بالطبع وجدت عبدالرحمن فقابلته بوجه واجم، دلف عبدالرحمن لينصدم، ولم يستطع منع نظراته المذهولة من الظهور، تنحنح قائلاً بحرج لنبيلة :

_ خلصتم يا حماتى ولا لسة ؟

شعـر ان سؤاله احمق بالفعل، ليس هو الوقت او الظرف المناسب، كان يشعر بالتوتر المحمل في الجو، ففضل الصمت، إلا ان نبيلة اجابته بجدية :

_ ايوة يا عبدالرحمن يلا

قالت مها متساءلة بلهفـة :

_ ماما انتم رايحين فين وواخدين سيف !

لم ترد نبيلة، فأجابتها رضوى بدلاً منها بهدوء حذر :

_ احنا مسافرين للأقصـر عشان شهد

سألتها مرة اخرى بتوجس :

_ مالها شهد يا رضوى ؟

قصت رضوى عليها كل ما عرفـوه، فصُدمت مها للغاية، ولم تعرف ما الذى جعلها تطلب من القدوم معهم دون تردد، تعجبت رضوى الي حدًا ما، ولكن مع اصرار مها علي ان يلحقوا بهم هى وسيف واحمد بسيارة احمد، جعل نبيلة ترد عليها ببرود ظاهرى :

_ براحتك مليش فيه اعملي الي عاوزاه

ركضت مها تبدأ بأعداد حقيبتها واحمد قرر الذهاب بالملابس التي يرتديها ويشترى بعضًا من هناك ان اطالوا الاقامـة، فأنتهوا جميعهم وأتجهـوا معًا الي الاقصـر ..

رواية مواجهة الأسد

***********

شهقـت شهد من الصدمـة، وابتعدت عنه بسرعة تنظر له لتتحقق ان كانت تتخيل او ان ما سمعته حقيقي، استعاد وعيـه، استعاد وعيـن بالفعل، ترى غابتها الغامضة الان بين جفونـه الثقيلـة، ترى ابتسامته التي رسمت الخطوط حول ثغـره المتعب، يدوى صوتـه كالعـزف الرومانسي، علي اوتـار قلبها المشتاقة بهدوء، اختفت الدموع سريعًا، وتقوس فاهها بأبتسامة مصدومة، شعرت وكأن قلبها يدق بصوت عالٍ مسموع محـرج، تابع عمر بصوت ضعيـف لأول مرة يطرب علي اذنيها :

_ مالك يا شهدى منهارة كدة لية

زمت شفتيهـا بضيق طفولي اعطاها مظهر جذاب، ثم قالت بصوت متحشرج :

_ والله يعني مش عارف، اسكت بقا

نهضـت بسرعة ثم اتجهت للخارج، ونظرت حولها قبل ان تنادى بجدية :

_ دكتوور يا دكتور

كان الطبيب بالقرب منهم فتقدم منها سريعًا، وسألها بتوجس :

_ خير حصلت حاجة جوة ولا ؟

هـزت رأسها نافيـة، ثم اجابته بأبتسامة زينت وجهها الواجم مسبقًا :

_ لا بس فاق وبيتكلم معايا

اومـئ الطبيب ثم دلف الي الداخل بسرعة، واشار لها ان تنتظـر، فأنتظرت للخارج، وتغيرت ملامحها للغاية، وكأن شفاء عمر له مفعول سحرى عليها، اقتربت منها نادى ومحسن ومسعد بأبتسامة، فربت مسعد علي كتفها قائلاً بجدية فرحة :

_ الحمدلله يابنيتي، ربنا ما يجعلنا ندخل المستشفيات دى تانى الا ف الخير

رددوا خلفه بهدوء :

_ امين يااارب

كانت سعادتها لا توصف، من كثرة سعادتها تشعر انها علي حافة الموت، نعم .. فهي تشعر بقلبها ودقاته لم يعد قادر علي التحمل اكثر من ذلك، تشعر بكل ذرة في كيانها تهلل وترقص فرحًا الان بأستعدادة محبوبـها، فلم يكن ما مر بالهيـن ..

بعد دقائق خرج الطبيب بهدوء، فأتجهت له شهد ومن دون ان تسأله قال بجدية :

_ الحمدلله، رغبته في الحياة خلته ماقعدش في الغيبوبـة غير ساعات، وربنا سترها معاه وان شاء الله هيبقي كويس ف اقرب وقت لانها اصبحت مجرد اصابة، لا تمس القلب بأى سوء، وهننقله لأوضة عادية بعد شوية وتقدروا تشوفوه

تنهـدت بأرتياح شديد يجتاحها، فتمتمت بأمتنـان :

_ شكرًا جدًا يا دكتور

اومـأ الطبيب بأبتسامة هادئة ثم استدار وغادر علي عقبيـه ..

وبعد نصف ساعة تقريبًا تم نقل عمر لاحدى الغرف العاديـة، وبالطبع كانت شهد ونادى ومحسن ومسعد بجواره، ما ان دلفوا للغرفة، حتي قال مسعد بصوته الاجش لعمر :

_ الحمدلله علي سلامتك يا ولدى، كدة تجلجنا عليك

ابتسم عمر بخفـة، ثم اجابه بخفوت :

_ الله يسلمك يا خال، كنت بأشوف معزتى عندكم بس

قال كلماتـه الاخيرة وهو ينظر لشهد التي كانت تقف في اخر الغرفة تتأمله بشرود، وكأنها حتى الان غير مصدقة انه اصبح معها، فيما ردد كلاً من محسن ونادى الامنيات بالشفاء لعمر والحديث العادى علي محور الحياة، حتي اردف محسن بجدية لـ مسعد :

_ طب يلا يا خال روحوا انتم ارتاحوا كفاية عليك إكدة عشان ماتتعبشي بجا يا خال

هـز رأسـه نافيًا وهو يتشدق بـ :

_ لآآه، ماهمشيشي من هنا من غير بتى وجوز بتي

هـز عمر رأسـه ثم اكمل بهدوء :

_ لا حضرتك اكيد بقالك كتير وتعبان، روحوا ارتاحوا يلا

فقالت شهد متدخلة لتؤيدهم :

_ ايوة يا خالو، الاجهاد غلط علي صحتك

اومـأ مسعد بأستسلام، ثم هتف بتساؤل جاد :

_ مين هايجعد طيب ؟

اجابه محسن مسرعًا بهدوء :

_ انى هاجعد مع شهد، والرجالة برة متجلجشي

اومـأ موافقًا بهدوء ثم إتجـه للخارج مع نادى، عائديـن للمنزل بخطى مرهقة ..

فيما تنحنح محسن لشعوره برغبتهم في الانفـراد ببعضهم بهدوء :

_ انا هأروح اجيب اكل اكيد هتاكلوا

اومأ عمر بهدوء، فأتجـه محسن للخارج، وشهد كما هى لا تتحرك، فقط تتأمله تشبع رغبتها في التمعن لقسمات وجهه، فنظر لعينيها، ذاك البحر الذى يذيبـه، وهمس بصوت شبه جـاد :

_ شهدى، تعالي قربي، عايزك جمبي

لم تقدر علي تحديد شعورها في هذه اللحظة، شعرت بكم مشاعر متخبطة تجتاحها، الاشتياق لكلماته، والفرح، والحزن علي ذاك اليوم الذى كان من اسوء ايام حياتها، والخوف .. الخوف من تكرار ما حدث ..

اقتربت منه بخطى مرتبكة، جلست علي الكرسي المجاور للفراش، ولم تنظر له، فمد يده بصعوبة، تحامل علي شعوره بالألم بسبب الاصابـة، ومد يده يرفع ذقنها لتنظر له، فشعوره بالأشتياق لها اقوى الان، غمغم بخفوت وهو يهز رأسه نافيًا :

_ لا، تعالي اقعدى هنا

ثم اشار بنظره علي الفراش بجواره، واكمل بهمس مشتاق :

_ في حضـني

توردت وجنتاها بخجل، ونهضت بخفة تجلس علي الفـراش بجواره، ليلف يده حول خصرها يحيطه بأبتسامة تملكية سعيدة، فيما كانت شهد مازالت شاردة بعض الشيئ، فشدد علي ضمها بخفة وهو يقول مداعبًا :

_ مالك يا حبيبتي، سرحانة ف مين

اجابتـه مسرعة دون وعي :

_ فيك، حاسه انى باحلم وانك لسة في الغيبوبة مش معايا

وجه نظره لشفتيها المنتكزة الكرزيـة برغبة واشتيـاق ونظرات متيمة بعشقها، نظرات اربكتهـا وجعلتها حمراء كحبه الطماطم، فقال عمر بخبث :

_ ممكن اثبتلك انك مش بتحلمى بس بطريقة تانيـة

لم يعطيهـا فرصة لتعترض او تسأله او تندهش حتى، وابتلع كلماتها بين شفتيه، يبث لها شوقـه لها ورغبته المميتة فيها، يؤكد لها بطريقته الخاصة انه معها !! وكانت مستسلمة هي، فهي تشتاق له الضعف ..

ابتعد عندما شعر بالألم يزداد بمكان الاصابة، وبحاجتهم للهـواء، نظر لها وقال وهو يلهث :

_ لسة مش مصدقة بردو

لم تستطـع الرد واكتفت بالصمت والنظر للأرضية الرخامية بخجل، مما جعله يبتسم بتسلية ويمتع عينيه بالنظر لها وحدها.. !

رواية مواجهة الأسد

**********

كـان فارس وحاتم يجلسوا في السجن، وسط اناس لم يعرفوهم بحياتهم كثيرًا او يقتربوا منهم لهذا الحد، يقيموا معهم في مكان واحد، غريبة بعض الشيئ ان يجتمع افراد عائلة مهران المعرفة ببعض الاناس اقل ما يقال عنهم انهم بقايا افراد المجتمع، تظهر بعض الندبات علي وجههم، روائحهم كريهه مقززة، ملابسة تكاد تكون ممزقة، الارضية نفسها لا تشجعك علي الجلوس عليها اطلاقًا، كان فارس يفرك يديه بتوتر وهيستريا، ثم صاح فـ حاتم بتساؤل مرتعد :

_ هانعمل اييية ها هانعمل اية

اطلق حاتم زافرة قوية قبل ان يجيبه بحيرة :

_ مش عارف، عمرى ماحطيت ف حساباتي كل الي حصل، حتي المحامى اتقبض عليه ف قضية اختلاس

جز فارس علي اسنانه بغيظ، وعاد يقول بنبرة غليظة :

_ يعني اية يعني هنقضي باقي عمرنا في السجن ولا اية

هـز حاتم رأسه نافيًا، ثم اردف بشرود :

_ اكيد لا هاتصرف بس سيبني افكر

اومـأ فارس ثم غمغم بسخرية :

_ فكر يا عمي فكر فكر يلا

تقـوس فم حاتم بشبح ابتسامة شيطانية وهو يقول بصوت اشبه لفحيح الافعي :

_ تقريبًا كدة عرفت بس ياريت ينفع

نظر له فارس بلهفة، ثم قال متساءلاً بترقـب :

_ اية اية قول بسرعة ؟!

 

للكاتبة رحمة سيد

*********

 

 

رواية مواجهة الأسد

الفصل الستـون والأخير ( الجزء الثالث ) … الخاتمة :

 

منذ وصولهـم رحب بهم مسعد ترحيب حـار، وكانت ابتسامتـه الحانية ترتسم علي ثغره، لتظهر مدى سعادتـه بأجتماع شمل عائلتـه الغائبـة عنه منذ مدة طويلة، يرى احفـاده وينتظـر الاخر من دون علمه، شعور بالراحة التي لم يعهدها منذ زمن يجتاحها الان، يشعر بهم كالفراشات السعيدة تحلق من حوله، امر علي الفور بتحضير غرفة لكلاً من عبدالرحمن والاخرى لرضوى والاخرى لمها واحمد وطفلهم، وغرفة لنبيلة، شقيقتـه التي طال اشتياقـه لها، جلسـوا جميعهم بعد فتـرة في الاسفل ينتاقشوا في شتي امور الحياة، يسألهم مسعد بلهفة عن احوالهم، تقريبًا عن كل ما يخصهم، وبالطبـع لم يجلبوا له سيرة عن سجـن مها، فلا يريدوا ان يعكروا صفـو جلستهم الهادئــة، هتف مسعد بأبتسامة :

_ نفسي اروح احب علي يد جوز بتي ده

نظـر الجميـع له بتعجب وتساؤل، ليكمل بنبـرة تحمل السعادة في طياتها :

_ لانه هو السبب في اننا نتجمع دلوجتي

ابتسـم الجميـع بسعادة، ومنهم مجاملة كأحمد الذى تنحنح قائلاً بتعب مصطنع :

_ انا اسف بس عايز ارتاح حاسس انى تعبان اوووى

اومأ مسعد بهدوء لينهض متجهًا للأعلي، فنهضت مها تقول بأبتسامة تخفي بها حرجهـا :

_ معلش يا خالي اصل احمد تعبان اليومين دول والسفر جه فجأة

هز مسعد رأسـه نافيـًا ثم تابع بأبتسامة هادئة :

_ ولا يهمك يابنيتي، روحى شوفى جوزك

انطلقت مها خلف احمد تعض علي شفتيها بغيظ، ترغب في احراقه بالنار التي تشتعل بداخلها الان، دلفوا الي الغرفة ليشير لها احمد بيده قائلاً بجدية :

_ مها انا فعلاً تعبان ومش قادر اتناقش

فوجـئت من حدة زكاؤوه، يستطيع بمهارة معرفة ما يدور برأسها بسهولة وكأنها شفافة امامه، زمت شفتيها بأعتراض ومن ثم غمغمت بضيق :

_ ماشي يا احمد ماااشي

ألقـي بجسده علي الفـراش، ثم غرز اصابعه السمراء بين خصلات شعره الاسود، يتنهد بقوة، تنهيدة حاول اخراج كل ما بداخله فيها ولكن فشل فشلاً زريـع، مازال في حيرة من امره، هل يتزوج تلك التي تدعي رودينـا ويحصل علي سخط وغضب زوجته مها .. والادهى انها يمكن ان تطلب الطلاق، يضحـي بسعادة طفله الوحيدة ويلقي بكل شيئ في المياة المعكرة، ام تسخط وتغضب عليه والدتـه، آآه من كل شيئ، يشعر لو انه انتقام، ولكنه سيفعل ما يجب فعله مهما كانت العواقب..

دثرت مها نفسها بالغطاء بجواره، تتأفف كل ثانية بضيق كأنها تنذره انها بجواره، ولكنه يعطيها ظهره، لاحـت علي شفتيه شبح ابتسامة خبيثة وهو يستدير ليعطيها وجهه، ثم قال متساءلاً بخبث :

_ انتِ زعلانة يا قلبي ؟

اومـأت مها ثم تمتمت بضيق طفولى :

_ جدًا جدًا جدًا يا احمد

قربهـا منه يحيط خصرها بيديه القوية كالسلاسل تقيدها، شهقت مها بصدمة بينما اكمل هو بهمس خبيث :

_ وانا هأصالحك بطريقتي يا حبيبتي

هم بتقبيلها وهى مغمضة العينين مستسلمة بين يـديه، ولكن فجأة تراجع وابتعد عنـها، هب واقفًا اما الفراش، فجأة شعر بإهانة في رجولته تجتاحه لتخنقـه، تذكر سبب تركها له، تخيل انها كانت تستلم لذاك الرجل كما تستسلم الان بين يديـه، يداعبها مثله .. يحتضنها .. يقبلها .. اقسم انه رُحم والا كان قتله بنفسـه، لم يتخيل ان الماضي خاصها سيرافقه دائمًا، اعتقد انه سينسي بسهولة، ولكن الماضي مثل السراب لا نهاية له ولا يستطع الانسان التخلي عنه، كانت الدموع عرفت طريقها لعينين مها المتألمتين، برغم توبتها الا انها ستشفع لها عند الله، ولكن هذا بشر !!

تنحنح احمد بصوته الاجش وقال :

_ اعذريني يا مها، مش قادر انسي، بفتكر كل حاجة عرفتها، محتاج وقت انسي

اومـأت مها ولم تنظر له، كانت دموعها تسقط بكثرة، تشعر بالضعف والكسرة، بالتقزز من جسدها وهي تتذكر كل لمسة لحسن ذاك الملعـون، خرج احمد من الغرفة بأختناق تاركًا اياها تجنى ثمار ما حصدته .

رواية مواجهة الأسد

**********

بـدأت الشمس تختفـي رويدًا رويدًا، ليحل محلها القمر بضوءه الذى يبعث الطمأنينة في روح كلاً منهم، تجلس رضوى في الحديقـة الخضراء علي احدى المقاعد الصغيرة، تنظر للأعلي بشرود، وابتسامتها الهادئـة تجذب الانظار دون ارادة منهم لها، تفكر بالغـد، تنتظـر ذلك اليوم علي احر من الجمـر، طالعـت القمر بسرحان كأنها تحدثـه،فجـأة سمعت نحنحته الرجولية التي اثـارت القشعريرة المرتجفة في جسدهـا، لتنظر له قائلة بنزق :

_ قول احم ولا دستور خضتني يا اخي

اقترب منها عبدالرحمن يجلس علي بعد مسافة، يطالعها بأبتسامة عاشق ولهان، ثم قال زهو يرفع احدى حاجبيه :

_ لا والله، وانتِ كنتِ عايزانى اسيبك تنفردى بالقمر لوحدك يا خاينة

ضحكت رضوى علي مزحه، ثم ردت بخوف مصطنع :

_ لا لا اوعى تفهمني صح يا عبدالرحمن انا مقدرش اعمل فيك كدة

هز رأسه نافيًا بأسف مصطنع ثم قال :

_ خلاص يا رضوى كل شيئ قسمة ونصيب

قهقت رضوى علي مزاحـه، بينما شرد هو في ضحكتها الساحـرة، اقترب منها ببطئ من دون وعي منه، حتي اصبح لا يفصلهم سوى بعض السنتيمترات، همس وهو يقتـرب منها :

_ رضوى .. انا .. بحبك

إبتلعت ريقها بإزدراء، وشعرت بسخونة في وجنتاها تكاد تنفجـر من شدتهـا، بللت شفتيها بطرف لسانها، مما اثار رغبته بها اكثـر، نظر علي شفتيـها بشوق، لاحظت هي نظراتـه فنهضت مسرعة وقالت بأرتبـاك :

_ آآ عـ عبدالرحمن

كان كالمغيب عن الوعـي، عينيها الساحرة وابتسامتها هم من يقودانه للجنون، تحكمت به مشاعره المشوقة لرضوى، وازاح كل الحدود بينهما، ود لو يحضنتها في هذه اللحظة ويتأكد من انه تخطى كل الحصون التي بنتهـا هي، مد يـده يمسك بيدها، حاولت إفلات يدها ولكن فشلت، ظل يقترب منها ببطئ، دفعتـه هي عنها بكل قوتها ليترنج للخلف، وظلت تنظر للأرض بخجل واضح، فيما استفاق عبدالرحمن وكأنه استعاد وعيه الان، اغمض عينيه يستعيد نفسه سريعًا ثم قال مسرعًا بتبرير واعتذار :

_ رضوى انا اسف بجد مش عارف مالي

سارت رضوى متجهة للداخل بسرعة، شعرت لو انها ظلت امامه اكثر لأعترفت هي بحبها له وليحدث ما يحدث، بينما هو شعر بالضيق الشديد، مسح علي شعره بغيظ ثم غمغم بغيظ لنفسه :

_ يعني مش قادر تستنى كام يوم، اية الغباء ده

**********رواية مواجهة الأسد

انتقـال سريــع .. مرت الايـام سريعة علي البعض وبطيئة جدًا علي البعض الاخر، كان كلاً منهم يسير في الطريق الذى اختـاره وحدده منذ فتـرة، بدأ عمر في التعافي بالكامـل، وخرج من المستشفي، وقضوا جميعهم ايام ممتعـة في منزل ” مسعد ” ايام لن تمحـوا من ذاكرتهم ابدًا، وبالطبع لا تخلو من بعض المشادات، حاول احمد التأقلـم علي الوضع مع مها، وبالفعل بدأ في التعامل معها بطبيعتـه ومع عائلتها ايضًا، يشعر بالسعادة لاجتماعه بطفله، ولكن ما يعكر صفوه احيانًا هو ان رودينـا مازالت اسمها بجوار اسمه، خطيبتـه !!

لم ينهي تلك الخطبة، ارضاءً لوالدته الحبيبة، وبالطبع لن يخبر مها بأى شيئ الا في الوقت المناسب، ربما ليس احمد من يعاقبها ولكن ربما الله، أليس كل مخطئ له عقـاب، وان كانت تابت ولكنها لا تعلم ما يخبأه لها القدر، اما عن شهد وعمر فكانوا يعيشون اجمل ايـام حياتهم بطفلهم القادم، ” حزمبل ” كم تثير تلك الكلمة جنون شهد، اما رضوى وعبدالرحمن بالطبع يعيشون بسعادة، وما اجملها سعادة وزفافهم اليـوم !!

نعم اليوم زفاف كلاً منهم، ستحبس عصافيـر الحب داخل قفصهم الذى اختاروه، وبالطبع لن يخرجوا منه حتي الممات، سافروا جميعهم الي القاهرة لاتمام زفاف رضوى، وتم تغيير الاتفاق لان يصبح كتب الكتاب والزفاف في يومًا واحد، وعانى عبدالرحمن بالطبع لاقناع والدته ولكن والده سهل عليه الكثير، كانت رضوى في البيوتي سنتـر، بحجابهـا الابيض وفستـان زفافها الاسلامى الرائع، يسر الناظرين، بأكمام طويلة، مزين عند منطقة الصدر، وهادئ من الاسفل، تزيد جماله طرحتها التي تنير وجهها الابيض الملائكـي، تقف جوارها مها وشهد، كلاً منهم يجتاحهم شعور بالسعادة لسعادة اختهمـا، انتهت رضوى ونهضت تطالع نفسها في المرآة، لم تصدق عينيها، اهى حقًا ستزف لحبيبها الوحيد الان ؟!

سؤال اجابته شهد دون قصد قائلة بأبتسامة :

_ يلا يا حبيبتي خالو مستني ادام الكوافير عشان عبدالرحمن جه ومستني

ابتسمت بسعادة، ثم تقدمت لخالها الذى ردد بأبتسامة بمجرد رؤيتها :

_ بسم الله ماشاء الله، تبارك الخلاق، زى الجمـر يا حبيبتي

تمتمت رضوى بخجل :

_ ربنا يخليك ليا يا خالو

تأبطـت ذراعـه وساروا متجهين للخارجين بخطى هادئة يتبعهم الجميع بالزغاريد، لمعت عينـا عبدالرحمن ببريق غير مفهوم للبعض، تنهـد تنهيدة طويلة حارة وهو يتمعن النظر لحبيبتـه بفستانها الابيض، تعالت الزغاريـد وانطلقوا جميعًا حيث القاعة التي سيقام بها الزفـاف، بعد قليل وصلوا جميعهم ثم جلسوا لكتب الكتاب، فيما كانت نظرات كلاً من رضوى وعبدالرحمن متعلقة ببعضهم، كأنها رسالات عشق صامتـة، افاقوا علي صوت المأذون وهو يقول بهدوء :

_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في الخيييييير

هنا تراقص قلب عبدالرحمن بسعادة بالغة، من فرط سعادته شعر انه ربما يتخيل، نهض بسرعة ثم وقف امامها يطالع هيئتها الخجولة تلك، ثم احتضنها بحنان، اصدر انينـا خافتًا يعبر عما يجيش في صدره، واخيرًا استطاع ان يأخذها بين احضانه يخفي وجهها بيت ضلوعه، يثبت لنفسه انه لم يتخيل وانها بالفعل اصبحت زوجته، اصبحت ملكية خاصة به !!

دهش الجميع واولهم رضوى، وسرعان ما شددت من احتضانه، فهى كانت تنتظر ذاك الحضن بفارغ الصبر، تنتظر الاحتواء والحنان، تعالي التصفيق الحار، وبدأ الفرح والرقص الهادئ العفوى، كانت نبيلة تشاهد الجميـع بعيون ممتلئة بالدمـوع، لا ترغب في شيئ اكثر من ذلك، اولادها امامها ومعها ويعيشون بسعادة .. ماذا اكثر ؟!

كانت شهد تقف في احدى اركان القاعة متأبطة ذراع عمر، تشاهد رضوى وعبدالرحمن بأبتسامة، ولكن عمر يشاهدها هي، يطالعها بشدة ممزوجـة بالسعادة، تلمع عينـاه بسعادة غريبة، وهو يرى فستانهـا الذهبي الواسع الطويل الذى يغطيها حتى امحص قدميها، وحجابها المتوسط الذى بعطيها مظهر جذاب اكثر، نعم فالان شهده تقف امامه تغطى كل جزء من جسدها، وتغطى شعرها الذهبي الذى لن يراه غيره بعد الان بكامل ارادتها، استدرك نفسه علي صوته الهامس :

_ مالك سرحت ف اية ؟

اجابها بخفـوت وهيام ولو يبعد نظراته عنها :

_ فيكي طبعًا يا حبيبي

ابتسمت بهدوء، ليسألها هو بحيرة :

_ الا قوليلي هو مين الي اقنعك بالحجاب

اجابته مبتسمة بفرح :

_ رضوى اتكلمت معايا كتير، وانا اقتنعت وكنت مستغربة ازاى بأعمل كل حاجة حلال ومش محجبة، بس الحمدلله

احتضنها بحنان وهو يردد خلفها بخفوت :

_ الحمدلله .. يا ام حزمبل

ضربتـه شهد بقبضتها الصغيرة برفق، في حين نظر هو علي مريم ونادى الذى كان يقفون ويصفقون بسعادة، نعم .. فقد وافق عمر علي ارتباطهم وتأكد من عدم تآمر مريم او نادى، وانما هما بالفعل يعشقون بعضهم، عشق جمع الشرق والغرب، انتهى الزفـاف، وانتهت معه فترة انتظار عبدالرحمن، ليستقلوا سيارتهم وينطلقوا الي منزلهم وكل شخص الي منزله، وصلوا امام المنزل، وترجلوا من السيارة، اقترب عبدالرحمن من رضوى ثم حملها فجأة فشهقت هي بصدمة ومن ثم صاحت فيه مفتعلة الجدية :

_ عبدالرحمن مينفعش كدة نزلنى

ضيق عبدالرحمن عينيه وقال بضيق مصطنع :

_ يووه، هو انتِ قبل الجواز مينفعش وبعد الجواز مينفعش، امال اية الي ينفع معاكِ

ضحكت بخفة علي كلامه، فهمس هو بجوار اذنيها بتحذير مصطنع :

_ ليلتك مش فايتة النهاردة، اياكِ اشوفك بتضحكي في الشارع

انزلها امام غرفتهم، ليدلفوا سويًا، وتبدأ رضوى تفرك اصابعها بتوتر، اتجه عبدالرحمن للمرحاض ليغستل ويبدل ملابسه، وبدأت هي الاخرى بتبديل ملابسها لقميص نوم احمر قصير يصل الي الركبـة، مفتوح من الاعلي، يبرز معالم جسدها بوضوح، خجلت من الظهور امامه هكذا، ارتدت الاسدال الخاص بالصلاة بسرعة، خرج هو فدلفت هي لتتوضئ، انتهت ثم خرجت وبدأ عبدالرحمن يصلي بها ركعتان شكر للمولى، انتهوا فنهض عبدالرحمن وحملها بسرعة متجهًا لغرفتهم، ووضعها علي الفـراش ثم اشار لها علي الاسدال، فتنحنحت بخجل ثم خلعته ببطئ، رأت لمعت عينـاه الراغبة والمشتاقة، اقترب منها ليقبلها بشوق، ليبث لها مدى عشقه لها، يخبرها بكل ما اراد اخباره بها ولكن بطريقته الخاصة، تناثرت قبلاته علي رقبتهـا ويدها و ..

اخذها في عالمهم الخاص، عالم لا يوجد به سواهم وعشقهم فقط .. !

رواية مواجهة الأسد

************

تم الحكم علي كلاً من فارس وحاتم بالسجن المؤبد، وقاطع حاتـم فارس بسبب عدم استطاعته لقتله دون ارادة وعاش باقي عمره مذولاً فقط ..

كما تزوج احمد برودينـا وبعد فترة اخبر مها وبالطبع لا تخلو الحياة من المناواشات *********

بعد مرور تسعـة شهور ..

في احدى المستشفيـات الخاصة بالقاهرة، تحديدًا في غرفة متوسطة تتسطح شهد علي الفراش الوتير، يبدو عليه الارهاق، الطرحة الصغيرة موضوعة بأهمال لتخفي شعرها الذهبي ولكن ليس كله، وجهها شاحب بعض الشيئ، فتحت جفنيها بتثاقل، لتجد امامها جميع افراد عائلتها، خالهم واولاد خالها وزوجة خالها، ومها ورضوى وسيف واحمد وعبدالرحمن، وعمر .. ومولدها الجديد .. حسام، كان عمر يحمل طفله بين يديه المرتعشتين، ينظر لها بعشق دفيـن، هتفت بوهن :

_ عمر هاته، نفسي احضنه اوى

اقترب منها ببطـئ ثم اعطاه لها، احتضنته بشغف واصبحت تقبل كل جزء فيه، لم تصدق انه بين يديها الان، طفلهم الذى كانت تنتظر بفارغ الصبر، جلس عمر بجوارها ثم احاطها بذراعيه قائلاً بحنان :

_ واخيرًا، حسام عمر مالك، حته منى ومنك، ده الي هيجمعنا للأبد

اومأت شهد بخفوت، تلقلقت دموع الفرحة في عينيها البنيـة، هنا قال محسن بمرح ليخفف من الجو المشحون بالعواطف :

_ تعبتونا ياخيتي بصراحة من كتر السفر

ضحكت شهد بخفـة، ليكمل عبدالرحمن مصطنعًا الجدية وهو يشير لبطن رضوى المنتفخة :

_ وانا مراتى حامل ومينفعش الحركة والمجهود الكتير ده

قال عمر بضحك :

_ معلش كله يهون عشان حسام باشا

ابتسمت مها ثم اقتربت منهم قائلة بصوت هادئ :

_ الف مبروك يا شهد مبروك يا عمر

ردد كلاً منهم بسعادة :

_ الله يبارك فيكِ

نظرت للمرضة التي تمر وقالت برجاء :

_ لو سمحتى ممكن تاخدى الكاميرا دى وتصورينا كلنا

اومأت الممرضة ثم اخذت منها الكاميرا، واشارت لهم مها ان يقفوا جميعًا، فأعترضت شهد بتعجب :

_ لا مستحيل اتصور وانا كدة

والتقطت لهم الممرضة صورة جماعية سعيدة، تعبر عن نهاية سعيدة، بمشاعر يملؤوها السعادة، لا وجود بينهم للحقد او الكره .. فقط العشق، وحان وقت الاستسلام الان ، فقد فات وقت .. مواجهة الاسد .

 

للكاتبة رحمة سيد

**********

 

 

شارك الان مع ايجبشيان جارديان فى :

١- مبادرة ايجبشيان جارديان لمكافحة السرقات الالكترونية وإتاحة الكتابة والتوثيق والارشفة ومجانا .

٢- مسابقة افضل كاتب عن عام 2019 بجائزة مالية قدرها 1000ج

٣- المسابقات الشهرية للقصص والروايات والأشعار والخواطر والمقالات المتنوعة والمترجمة وتصميم الصور والفيديوهات وجوائز مالية ….

 

للتواصل وإرسال الاعمال :

واتس 01144615981

البريد الألكتروني : egyptiangurdian@gmail.com

الصفحة الرسمية للأخبار : https://www.facebook.com/Egyptian-Guardian-1438662622887052/

الموقع الرسمى :

الصفحة الرئيسية بوابة ايجبشيان جارديان الإخبارية

ادعم كاتبك المفضل وشارك بالتصويت فى المسابقات الشهرية للشعر والخواطر والمقال ومسابقة افضل كاتب عن عام ٢٠١٩ الآن :

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: